رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أرتبط دخول السينما في ذهني بالمناسبات السعيدة، فمنذ طفولتي لا أدخل دور العرض إلا في الأعياد، أو مع الأصدقاء، كفرصة للخروج من العالم التقليدي اليومي، إلي عالم آخر مختلف له سيناريو خاص، ومشاهد صاخبة وغير تقليدية، ولا سيما أن الفيلم يجسد قصة حقيقة. 

 

وما أجمل أن تعرض دور السينما رواية تجسد شخصية فريدة من نوعها، ولكن كُلما حاول الفنانون تقليد أُم كلثوم شعرت بالشفقة عليهم!، فمن يستطيع أن يقلد الجبل؟ فما صراخ الجبل إلا فائض قوة، فمهما أجتهد الجميع، لن يستطيعوا سوي نقل صدي الكُتلة. 

 

هل كانت أُم كلثوم تفكر في لعب دور سياسي مباشر؟ كيف تصنع امرأة نفسها بقوة في عالم لم يعد يرحب بها؟ كيف تتحول من صوت إلي سُلطة؟ ومن مُطربة إلي رمز؟ ومن فرد إلي تاريخ؟ (الست) قد يعجز الجميع عن الوصول إلي عقلها ويفشلون في الإحساس بقلبها، فلو كانت بهذه البساطة التي يمكن تقليدها، لما خُلدت في زمن يصعب فيه الإنتشار إلا بالحقيقة والقوة المُفرطة، أُم كلثوم التي أصبحت كوكباً في عصر صنع تاريخ الأُمم من بين بطش الحروب ، تقلدت الست نياشين تفوق قادة جيوش، وعبرت بين القارات وكأنها تقود العالم بقوة صوتها وحضورها وشخصيتها الفريدة. 

 

كنتُ سعيدة بمشاهدة الفيلم ،فقد أثر فيّ، فبكيت وابتسمت واندهشت، وطرقت علي ذهني عدد من الأسئلة، أهمها: ما كل هذه القوة ياست؟ وأعود مسرعة رداً علي سؤالي و لما كل هذا العجب، وهي بدأت حياتها كرجُل، رغم أنها تمتلك كل مقومات الأنوثة، أُم كلثوم التي كانت ترتدي زي الأولاد من العقال والجلباب، وبداخلها قوي أنثوية لا مثيل لها، قد تكون هذه البداية التي صنعت منها مزيجاً قوياً من الرجل والأنثي، فعاشت حياتها الفريدة بين نساء جيلها، بين القوة الرجولية والتأثير الأنثوي. جاءت الصبية المُثقلة بالأحلام والأعباء والعادات والتقاليد من ريف مصر إلي العاصمة "القاهرة"، فهي تملك قلب رجل وعقل امرأة، تُقرر وتُدبر وتُدير وهي الصبية التي تحمل حلم أسرتها للخروج من براثن الفقرللنور بل لكل الأضواء الممكنة. 

 

فلم يكُن حُلمها رغم صغر عمرها وخلفيتها الريفية، أن تكون مُطربة عادية، بل كانت تطمح أن تغني ألف أٌغنية، وقوتها وإصرارها علي تحقيق حُلمها، جعلها تتفاوض علي أعلي نسبة ربح مع أول تعاقد لعمل أسطوانات لأغنياتها، وتتنازل عن أول حُب في حياتها من الشاعر الذي صنفت نفسها بأنها مُلهمته فإذا تزوجا لم يعُد لكلمات الحُب والشوق ونار البٌعد معني وينطفئ النور الذي آمن بها فور لقائها أول مرة وهي تغني أحد أشعاره. 

 

كانت تمتلك القوة التي جعلتها تفكر في المُساهمة لإنشاء جريدة لتكتُب مقالات تُعبر فيها عن رأيها وتشارك الرجال، منتبهة أن السيدات لا تكتبن مقالات رأي، فلماذا لم تبدأ هي، بل وكانت تطمح أن ترشح نفسها في مجلس النواب نائبة تتحدث باسم الشعب، وأستطاعت أن تكون أول نقيبة للموسيقيين وفازت بها متحدية موسيقار الأجيال، في إصرار منها إنها الأقوي وصاحبة الحفلات الأكثر فلا بد من وجهة نظرها أن يكون ولاء الموسيقيين لها، وبالفعل فعلت ذلك. 

 

مع كل هذا النجاح والتفوق كانت تتساقط أحلام الرجال أمام قدميها، فلم تكُن المرأة التي تبحث عن رجُل لتحتمي به، بل كانت المرأة التي يحلُم بها الرجال الأقوياء مثلها، من القصر إلي الفن حتي تزوجت طبيبها، الذي كان مُتيم بها. 

 

ولا بد أن أكتُب في مقالي عن السياسة التي لا ترحم، بخلاف أُم الملك التي كانت تضمُر غيرة قاتلة لأُم كلثوم، التي فرض حضورها بين الجماهير سطوعاً رغم محاولاتها إطفاء هذا السطوع، إلا أن الفترة ما بين الملكية والجمهورية عانت الست من تهميشها، إلا أن أعاد لها زعيم الأمة وقتها حيويتها بحضورها. أمتازت الست بوطنيتها، وجابت العالم بصوتها لتُسخر العائد من حفلاتها للمجهود الحربي بقيمة أربعة مليارات جنية وقتها.

 

بل وحاولت أن تقدم علي العمل الخيري والمجتمعي لتؤنس وحدتها التي مرت بها لفترة بعد وفات والدها وأخوها. أخيراً سيرة أُم كلثوم أضخم من أن تُجسد في فيلم، ولو أمتد لساعات، وتبقي عصية علي الاختزال أو التمثيل، ويكفينا شرفاً أنها شخصية مصرية، وبعد مرور قرن من الزمان علي ولادتها في أرض مصرية خصبة ، فالجميع متفق علي أسطوريتها وإن لم يتفق الجميع علي الفيلم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء