في ذكرى وفاته.. البابا مكاريوس الثاني بطريرك تم اقتياده إلى البطريركية قسرًا
شهد مثل هذا اليوم، منذ أكثر من تسعة قرون، رحيل واحد من أهم باباوات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، هو البابا مكاريوس الثاني، البطريرك الـ69 للإسكندرية، الذي توفي في 15 سبتمبر عام 1122م، بعد أن قضى سبعة وعشرين عامًا في الكرسي المرقسي.
وتميّزت فترة الرهبنة له بالزهد والنسك، والعدل، والعطاء، لكن الغريب في الأمر، أن هذا الرجل لم يسعَ إلى المنصب الكنسي الأرفع، بل قاومه بكل قوته.. حتى اقتيد إليه قسرًا.
الراهب الناسك في بريه شيهيت
وُلد الأب مكاريوس الثاني ونشأ منذ صغره على العبادة والتقوى، وكان ميّالًا لحياة الزهد والنسك، فاختار الطريق الرهباني بإرادته الكاملة، وتوجّه إلى برية الإسقيط – أو برية شيهيت كما كانت تُعرف قديمًا – حيث التحق بدير القديس مكاريوس الكبير.
في الدير، كرّس نفسه للصلاة والصوم والتأمل، وكان يقضي أوقاته في قراءة الكتب المقدسة وتفاسيرها، حتى أصبح مثالًا للرهبان في سلوكه وفضيلته، وتمت رسامته قسًا بعد فترة قصيرة من الرهبنة.
كرسي البابويه يخلو .. والانظار تتجه نحوه
ولكن بعد نياحة البابا ميخائيل، البطريرك الـ68، خلا كرسي مارمرقس، وبدأ الكهنة والأساقفة والعلماء في الكنيسة البحث عن من يليق بهذا المنصب الجليل. توجه وفد منهم إلى برية الإسقيط، حيث اجتمعوا في الكنيسة مع شيوخ الرهبان، وبحثوا طويلًا عمّن يصلح للبطريركية ثم جميع الأعين اتجهت إلى الأب مكاريوس، فقد كان معروفًا بورعه وتقواه، وحُسن سيرته، وعمق معرفته بالكتاب المقدس.

الهروب من الكرسي .. واقتياده بقوه
وعندما أُبلغ الأب مكاريوس باختيارهم له ليكون بطريركًا، رفض بشدة، وبدأ يتحجج بالأعذار، ورفع صوته صارخًا مطالبًا أن يُعفوه من هذا المنصب، مؤكدًا أنه لا يرى نفسه أهلًا له، لكن الكهنة لم يقبلوا رفضه، واقتادوه قسرًا إلى الإسكندرية، وهناك رُسم بطريركًا، وقرأ التقليد الكنسي في الكنيسة المعلقة بثلاث لغات: اليونانية، والقبطية، والعربية.
سنوات المجد والتقوي
رغم أنه لم يكن راغبًا في المنصب، إلا أن البابا مكاريوس الثاني أدار الكنيسة بحكمة نادرة، وزاد في نسكه وتعبده، وداوم على التعليم والوعظ يوميًا، وكان عطوفًا على الفقراء والمحتاجين ، ولم يطلب لنفسه شيئًا من أموال الكنائس، بل كان يُنفق كل ما يُقدّم له في أوجه الخير والبر، رافعًا شعار العطاء والتجرد.
النهاية بعد محبة دامت 27 عاما
استمر البابا مكاريوس في الكرسي البابوي لمدة سبعة وعشرين عامًا، قدّم خلالها نموذجًا فريدًا للقيادة الروحية القائمة على الخدمة والزهد. وفي عام 1122م، أسلم روحه في سلام، تاركًا خلفه إرثًا روحيًا عظيمًا.
ففي ذكرى نياحته، يبقى البابا مكاريوس الثاني مثالًا خالدًا على أن القيادة الحقيقية لا تُطلب، بل تُفرض على من يستحقها. لم يسعَ إلى المنصب، بل سعى إليه الناس، ولم يستفد منه، بل أفاد به الكنيسة وأبنائها.

