على مدار ما يزيد على عقدين، نجح المخرج الكبير خالد جلال في ترسيخ تجربة فنية وتعليمية استثنائية من خلال مركز الإبداع الفني التابع لصندوق التنمية الثقافية بدار الأوبرا المصرية، ليصبح المركز واحدًا من أهم المؤسسات العربية المتخصصة في اكتشاف وصقل المواهب الشابة في مختلف مجالات الفنون الأدائية.
لم يكن مركز الإبداع مجرد ورشة تدريب عابرة، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، قائمًا على رؤية واضحة تؤمن بأن الفن الحقيقي لا يُصنع بالصدفة، وإنما بالتدريب الجاد، والانضباط، والاشتباك المباشر مع النصوص الكلاسيكية والمعاصرة، وهي الرؤية التي قادها خالد جلال بوصفه فنانًا ومعلّمًا قبل أن يكون مخرجًا.
وقد استطاع مركز الإبداع أن يقدّم للسينما والتليفزيون والمسرح المصري كوكبة من أبرز النجوم الذين تصدروا المشهد الفني خلال السنوات الماضية، من بينهم: سامح حسين، حمزة العيلي، بيومي فؤاد، محمد فراج، محمد سلام، محمد ثروت، أحمد فتحي، وغيرهم من الأسماء التي أثبتت حضورها بقوة في مختلف المنصات الفنية.
وهؤلاء الفنانون لم يخرجوا فقط كممثلين، بل كحالات فنية واعية بأدواتها، تمتلك القدرة على التنوع بين المسرح والدراما والسينما، وهو ما يُحسب مباشرة لتجربة المركز ومنهجيته. حيث قدّم مركز الإبداع عددًا من العروض المسرحية التي أصبحت علامات فارقة في المسرح المصري الحديث، ونجحت في جذب جمهور واسع، من بينها: قهوة سادة، حلو الكلام، غنا للوطن، هاملت، حلم ليلة صيف، وحاليًا مسرحية «حواديت» التي تواصل تقديم دفعات جديدة من المواهب. هذه العروض لم تكن مجرد مشاريع تخرج، بل أعمالًا مسرحية مكتملة العناصر، اعتمدت على الأداء الجماعي، والالتزام الصارم بالجودة الفنية، والعودة إلى جوهر المسرح كفن حي قائم على الصدق والإبداع.
ويُعد مركز الإبداع نموذجًا فريدًا في التدريب الفني، حيث يشمل برنامج الدراسة التمثيل المسرحي والسينمائي، والغناء، والإلقاء، وفنون الاستعراض، والإخراج، والديكور، والعمل الجماعي، تحت إشراف نخبة من كبار المتخصصين في كل مجال.
ولم يتوقف دور خالد جلال عند حدود التدريب، بل حرص على خلق بيئة داعمة للمبدعين، من خلال دعوة كبار المخرجين والمنتجين والنقاد لحضور العروض، وفتح نوافذ حقيقية أمام الشباب للاحتكاك بسوق العمل الفني، وهو ما أسهم في انتقال عدد كبير من خريجي المركز سريعًا إلى الصفوف الأولى من النجومية.
ومع هذا الدور المؤثر، يظل مركز الإبداع الفني في حاجة إلى مساحة أوسع ودعم أكبر، ليواصل رسالته ويتحول بشكل رسمي إلى مركز دولي لتخريج المواهب المصرية والعربية والأجنبية، خاصة مع الإقبال المتزايد من شباب الدول العربية الراغبين في الالتحاق بتجربته الفريدة.
ختامًا، يمكن القول إن مركز الإبداع الفني، بقيادة خالد جلال، لم يكن مجرد تجربة تعليمية ناجحة، بل كان – ولا يزال – أحد أهم روافد تجديد الدماء في الفن المصري، وسدًّا حقيقيًا في مواجهة أنصاف المواهب، ومنصة لصناعة فنانين حقيقيين قادرين على الاستمرار والتأثير.