كان من أبرز تداعيات التحولات التي شهدتها مصر منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تراجع الدور التقليدي للإعلام الوطني، ممثلا في الإذاعة والتلفزيون المصري بما يضمه من قنوات فضائية ومحطات إذاعية، في مقابل الصعود القوي والسريع للإعلام الخاص، الذي استفاد من اتساع هامش الحرية وقوة الإمكانيات، ومرونة اتخاذ القرار داخل مؤسساته.
هذا التباين عزز حضور الإعلام الخاص وقدرته على الانتشار والتأثير، في الوقت الذي عانى فيه الإعلام الرسمي من ضعف الإمكانيات وجمود الفكر الإداري، فضلا عن كونه خاضعا بطبيعته لسلطة الدولة، بما يعني تقيد حركته في وتعطيل اتخاذ القرارات في وقتها الصحيح. وزاد من حدة الأزمة هروب عدد كبير من الكفاءات الإعلامية والفنية من ماسبيرو بحثًا عن فرص أوسع وانتشار أكبر، لتتراجع تدريجيًا القدرة التنافسية للإعلام الرسمي، ويفقد جزءًا معتبرًا من تأثيره ودوره.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن النجاح الكبير الذي حققته القنوات الخاصة في سنوات صعودها الأولى كان معتمدا إلى حد بعيد على كوادر ماسبيرو، سواء على المستوى الفني أو الإعلامي، في الإعداد والتقديم والإخراج.
ومع مرور الوقت خرج قطاع التلفزيون المصري فعليًا من دائرة المنافسة، بينما قاومت الإذاعة المصرية وحافظت – قدر الإمكان – على حضورها، في مواجهة محطات خاصة أكثر مرونة وقدرة على التطوير.
غياب الدور المؤثر للإعلام الرسمي كانت له سلبيات كثيرة، أبرزها فقدان الهوية وغياب القيم الذي يفرضه وجود رسالة قومية واضحة، لا تهدف بالأساس إلى الربح، بقدر ما تسعى إلى حماية القيم المجتمعية، وصون الهوية الوطنية، والدفاع عن مكتسبات الدولة، وتعزيز تماسك المجتمع وأمنه الثقافي والفكري.
من هذا المنطلق يمكن قراءة القرارات الأخيرة التي اتخذها الكاتب الصحفي أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، باعتبارها محاولة جادة لاستعادة هذا الدور. فقد بادر بإعادة بث مسلسل "أم كلثوم"، الذي أنتجه اتحاد الإذاعة والتلفزيون عام 1999، وكتبه الراحل محفوظ عبد الرحمن، وأخرجته المبدعة إنعام محمد علي، وشارك في بطولته نخبة من كبار الفنانين، وجسدت فيه الفنانة صابرين شخصية كوكب الشرق. وهو عمل فني اقترب بوعي واحترام من سيرة أم كلثوم، دون تشويه أو إساءة، وحقق – ولا يزال – نجاحا جماهيريا واسعا في مصر والعالم العربي.
ولم يتوقف اهتمام المسلماني عند إعادة عرض المسلسل على القناة الأولى، بل سبقه بتنظيم حفل كبير لتكريم صُناعه بمناسبة مرور 25 عامًا على عرضه، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لرحيل كوكب الشرق، في رسالة واضحة تؤكد احترام الدولة لرموزها الثقافية وحفاظها على ذاكرتها الفنية.
كما يعيد التلفزيون المصري على قناته الأولى إذاعة مسلسل "رحلة المليون" بطولة النجم الكبير محمد صبحي، أحد أبرز نجوم مرحلة تأسيس التلفزيون المصري ونجم الكوميديا الهادفة.
وفي السياق ذاته، أعادت الشركة المتحدة عرض الفيلم الوثائقي "أم كلثوم والوطنية" على قناتها المهمة "الوثائقية" وهو فيلم يسلط الضوء على الدور الوطني التاريخي لكوكب الشرق، خاصة في مرحلة ما بعد نكسة 1967 ودعمها للمجهود الحربي، وهو توقيت بالغ الدلالة والأهمية.
كما تشارك الإذاعة المصرية في هذا التوجه بإعادة بث عملين عن كوكب الشرق أولهما حلقات "أيام في حياة أم كلثوم" وهي حوارات مباشرة مع كوكب الشرق انفرد بها الإذاعي الكبير وجدي الحكيم والتي تصحبها ألحان المبدع بليغ حمدي، والثاني المسلسل الإذاعي "ثومة.. قصة حياة أم كلثوم"، بمشاركة نخبة من عمالقة الفنانين المصريين.
ولا يمكن إغفال قرار الأستاذ أحمد المسلماني بمنع ظهور المنجمين وقراء الطالع والأبراج على شاشات وإذاعات ماسبيرو، خاصة خلال احتفالات رأس السنة، وهو قرار يعيد الاعتبار للدور التنويري للإعلام الرسمي، ويحمي وعي الجمهور من الخرافة، ويؤكد التزام الدولة بقيم العقل والمعرفة.
كل هذه الخطوات تؤكد أن في مصر مؤسسات قادرة على حماية قوتها الناعمة، وصون تراثها وتاريخها، وأن هناك تضامنًا وتكاملا بين مؤسساتنا الإعلامية، هدفه في النهاية حماية سير رموزنا الفنية والوطنية و ترسيخ القيم التي تحفظ تماسك المجتمع ووعيه. ليظل الإعلام المصري الرسمي، هو الركيزة الأساسية التي تحفظ الهوية الوطنية.