رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يمر إقليم الشرق الأوسط والقرن الإفريقي بمرحلة شديدة التعقيد والسيولة السياسية، حيث لم تعد التغيرات الجيوسياسية تدار فقط عبر الحروب التقليدية أو الصراعات المباشرة بين الدول، بل باتت تصاغ من خلال أدوات أكثر خطورة، في مقدمتها دعم الكيانات الهشة، وتشجيع النزعات الانفصالية، واستخدام الميليشيات المسلحة كوسائل لإعادة رسم خرائط النفوذ وفي هذا السياق، يأتي الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «صوماليلاند» الانفصالي ليكشف بوضوح عن ملامح مشروع تفكيكي أوسع، يستهدف استقرار الدول ووحدة أراضيها، وليس مجرد خطوة دبلوماسية معزولة.

هذا الاعتراف لا يمكن قراءته خارج إطار سياسة المحاور والاستقطاب التي تتسارع بوتيرة لافتة في الإقليم، حيث نشهد تشكل محور غير معلن يضم إسرائيل وإثيوبيا، يعتمد على إعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية عبر كسر الحدود القائمة، والعبث بفكرة الدولة الوطنية، تحويل الإقليم إلى تجمع من الكيانات الهشة المتناحرة، القابلة للتوجيه والتحكم الخارجي.

إسرائيل، من منظور استراتيجي، تنظر إلى القرن الإفريقي باعتباره امتدادا حيويا لأمنها القومي، وعمقا جغرافيا يحقق لها عدة أهداف متداخلة، والوجود في هذه المنطقة يتيح لها تطويق الأمن القومي العربي من خاصرته الجنوبية، والاقتراب المباشر من باب المندب، أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، بما يمثله من أهمية استراتيجية لأمن البحر الأحمر والتجارة الدولية ومن هنا، فإن صوماليلاند، بموقعها الجغرافي المطل على خليج عدن، تمثل منصة مثالية لإقامة قواعد عسكرية أو استخباراتية تضمن لإسرائيل نفوذا طويل الأمد في واحدة من أكثر النقاط حساسية على خريطة الصراع الدولي.

أما إثيوبيا، فهي تسعى من جانبها إلى ترسيخ وضعها كقوة إقليمية مهيمنة في القرن الإفريقي، عبر مشروع توسعي يتجاوز حدودها الجغرافية التقليدية ويأتي دعم النزعات الانفصالية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، كأداة لتحقيق هذا الهدف، خاصة في ظل ارتباط هذا التوجه بملف سد النهضة، ومحاولة فرض واقع جديد في معادلة التحكم في منابع النيل غير أن المفارقة الخطيرة تكمن في أن إثيوبيا نفسها تعاني من أزمات داخلية عميقة، وصراعات ومطالب انفصالية تهدد تماسكها الداخلي، ما يجعل دعمها لمثل هذه النزعات سلاحا ذا حدين، قد يرتد عليها في لحظة ما.

الاعتراف بصوماليلاند لا يمثل فقط تحديا صارخا لقواعد القانون الدولي ومبدأ وحدة وسيادة الدول، بل يفتح الباب أمام سابقة خطيرة قابلة للتكرار في دول أخرى تعاني من هشاشة سياسية أو صراعات داخلية، مثل السودان واليمن، فمجرد خروج بيانات ترحيب من حركات انفصالية في السودان بالخطوة الإسرائيلية، يكشف حجم التنسيق القائم بين هذه الكيانات وبين إسرائيل وإثيوبيا، ويؤكد أن المسألة ليست مجرد تعاطف سياسي، بل جزء من مشروع متكامل لإعادة تشكيل الإقليم.

وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل الترابط بين دعم انفصال صوماليلاند، ودعم الميليشيات المسلحة في مناطق أخرى، وعلى رأسها ميليشيات حميدتي في دارفور، التي تستخدم كورقة ضغط لإضعاف الدولة السودانية، و إبقائها في حالة استنزاف دائم، بما يمنعها من استعادة عافيتها أو لعب دور إقليمي فاعل وكل هذه السياسات تعكس منطقا واحدا، يقوم على إدارة الفوضى بدلا من تحقيق الاستقرار، وتفكيك الدول بدلا من دعم مؤسساتها الوطنية.

إن الصراع الدائر اليوم في جوهره ليس فقط على النفوذ، بل على شكل الإقليم ذاته، فهناك دول مركزية مستقرة، وفي مقدمتها مصر، تسعى إلى الحفاظ على وحدة الدول الوطنية، ومنع انزلاق المنطقة إلى سيناريو التفكك الشامل، إدراكا منها أن انهيار دولة واحدة يخلق موجات ارتدادية تهدد أمن الإقليم بأكمله، وفي المقابل، يوجد محور آخر يرى في تفتيت الدول فرصة لتوسيع النفوذ، وفرض الأمر الواقع، والتحكم في الممرات الاستراتيجية والثروات الطبيعية.

الخطر الحقيقي في الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند لا يكمن في الإقليم ذاته فقط، بل في تحويله إلى منصة متقدمة للقواعد الإسرائيلية، بما يسمح بالتحكم في باب المندب والقرن الإفريقي، ويفتح الطريق أمام إثيوبيا للوصول إلى ميناء بربرة، وتحويله فعليا إلى منفذ بحري يخدم طموحاتها الاستراتيجية، على حساب سيادة الدول واستقرار المنطقة.

في النهاية، فإن ما نشهده اليوم يستدعي موقفا عربيا وإقليميا واعيا، يقوم على دعم الدولة الوطنية، ورفض شرعنة الانفصال، والتصدي لمحاولات فرض خرائط جديدة بالقوة أو عبر الميليشيات، والتاريخ يؤكد أن سياسة التفكيك لا تصنع استقرارا، وأن من يشعل نار الفوضى قد لا يكون قادرا على التحكم في تداعياتها.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء