ننشر قصة من مجموعة «الهروب إلى القيود» لإيناس نصر الدين|خاص
صدر حديثًا عن دار الفكر العربي للنشر والتوزيع المجموعة القصصية «الهروب إلى القيود» للكاتبة السكندرية إيناس نصر الدين، في خطوة جديدة تؤكد حضورها المتنامي على الساحة الأدبية، بعد سنوات طويلة من الشغف بالكتابة والسعي لتحويل الحلم إلى واقع ملموس.
وتأتي هذه المجموعة تتويجًا لمسيرة ظلت تكتب خلالها دون نشر تلك الإبداعات حتى قررت أن تخرجها إلى النور، بدأت بفكرة بسيطة ظلت تراود الكاتبة بإلحاح، قبل أن تنضج تدريجيًا وتتحول إلى أول عمل روائي يحمل اسمها. ولم تكن تلك اللحظة مجرد تجربة أولى في عالم النشر، بل شكّلت نقطة تحول فارقة، أعلنت ميلاد قلم أدبي جديد استطاع أن يفرض نفسه بين القرّاء ويكوّن دائرة من المتابعين والمهتمين بتجربته.
وتتميز كتابات إيناس نصر الدين بالاقتراب من الإنسان وأسئلته الداخلية، والغوص في مشاعر الهروب والبحث عن الحرية والمعنى، وهي ثيمات تتجلى بوضوح في قصص مجموعة «الهروب إلى القيود»، التي تعكس نضجًا فنيًا ورؤية سردية أكثر عمقًا ووعيًا.
وفي إطار الاحتفاء بهذه التجربة الأدبية، ينشر موقع «إيجبتك» فصلًا من الرواية، لإتاحة الفرصة أمام القرّاء للاطلاع على عالم الكاتبة السردي، والتعرّف عن قرب على أسلوبها الذي يجمع بين الحس الإنساني واللغة الشفافة، في عمل يؤكد أن إيناس نصر الدين تخطو بثبات نحو ترسيخ اسمها في المشهد الأدبي المعاصر.
مظلة وعطر شتاء
أوقد مدفأته وأسرع يزمل نفسه، فالليلةُ ممطرة بغزارة.
لكنهُ يتعطش للدفء ليس من شدةِ البرد، لكن صقيع الذكريات يرجف قلبه.
عطر الشتاء يفوح من بلل الأرضِ بقطراتِ المطر.
حفيفُ الأشجار في الخارج يهيئ قلبه ليخرج لحاء ذكرياتهِ.
وقف ينظر على الطريق من خلف زجاج نافذتهِ،
وكأن الكون خلا من الشخوص من حوله.
تدثرت المدينة بالمطر كما يتدثر قلبهُ بذكرياتهِ لها.
كان عطر الشتاء قوياًّ أيقظ سبات الذكريات من الأعماق.
دمعت عيناه حنيناً لها، أومأ برأسه على زجاج النافذة، حالة التيه والشرود تهيمن عليه،
قلبه يخبره أنها سوف تستجيب لعطر الشتاء.
مازال المطر يسقط بغزارة، يطرق على النوافذ، كصديق قديم جاء ليعيد معك الذكريات.
فجأة ظهرت "هي" تحت ضوء الإنارة الصادرة من الأعمدة.
ظهرت بمظلة سوداء ينساب المطر فوقها بخيوطٍ فضية،
ولا يظهر من تحتها إلا شفتان تبوحان بجمرة متوهجة من الجمال،
ومعطفٌ أنيقٌ وخطواتٌ هادئة.
انتفض من مكانه غير مستوعب أنها "هي"،
هرع إليها فوراً، كطفلٍ فرح بهطول المطر، كأن السماء تشاركه حُلمه، وكأنها "هي" غوثهُ المنتظر.
أسرع في الخطى وهو يلوح لها فهي إلى الآن لم ترهُ.
مازالت المظلةُ تحجب بعض الرؤية الجانبية، أخيراً وصل إليها.
دون مقدمات وقف أمامها، لكنه يجد صعوبة في الحديث، ويكأن القول أصبح مهجوراً من داخله، بدأ يرفع رأسها ببطء وهي صامتة ولا يظهر منها سوى خصلاتِ شعرها وشفتيها.
(المظلة تحجب ضعفها كله).
قال بعد عناء:
كنت أعلم أن العطر قويٌّ، وأنكِ ستلبين النداء. أخيراً بعد صمت طويل مثقل بأيامٍ خالية ممزوجة بالهجر قالت وهي ما زالت تتخفى تحت المظلة:
جئت لأخبرك أن العطر قد انسكب وما يفوح منه الآن يحمل ألماً وأنا ما زلت أمارس الهروب بعيداً. أهرب تحت تلك المظلة ولا أقوى على الظهور أمامك. ذلك التخلي خلّف من ورائهِ هذا التخفي. تصدعت روحي كما تصدع العطر من زجاجته وانسكب. نعم شعرت بعطر الشتاء وجذبني إلى هنا، لكني هنا الآن لأخبرَك أن هذا آخر فصول العطر لدي، لن أعود.
يداي ما عادتا تقويان على ترك تلك المظلة.
ما زلتُ أشعر أن في الاختباء حياة،
وأن غيم الشتاء وعتمة ليله أمان.
جئت لأخبرك أنني لن أعود.
حل الصمت بينهما وما من همسٍ إلا همس المطر، فجأة حاول أن يضمها إلى قلبه لعله يدفع إليها الأمان مرة أخرى،
لكنه فشل.
ما زالت المظلة حاجزاً بينهما.
قلب كلٍّ منهما يئنُ لكن صوت المطر قد حجب صوت الألم.
أخرجت يديها من معطفها وضمتهُ بيمنها إلى قلبها،
ثم قالت:
(وداعاً) هذا العطر ليس لي.