في مطلع عام 2015، وبعد فترة وجيزة من توليه المسؤولية، طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي مبادرة إنشاء قوة عربية مشتركة، أو ما سُمّي حينها بـ"الجيش العربي الموحد". جاءت المبادرة في ظل ظروف عربية بالغة التعقيد، اتسمت بتصاعد الأزمات الأمنية والسياسية، وانفجار صراعات إقليمية لا تزال انعكاساتها مستمرة حتى اليوم.
الطرح المصري لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل رؤية استراتيجية هدفت إلى تجاوز بؤر التوتر وتحويلها إلى مسارات تعاون، تستند إلى استغلال الإمكانيات البشرية والاقتصادية والجغرافية للدول العربية، في إطار مشروع تكاملي كبير قادر على حماية نفسه بنفسه..بوسائل عربية خالصة!
هذه الرؤية لم تلقَ في حينها الاهتمام الكافي، لتضيع فرصة ثمينة كان من شأنها أن تجنب المنطقة كثيراً من الخسائر التي تكبدتها خلال العقد الماضي. فقد أثبتت السنوات اللاحقة أن النزيف الداخلي تجاوز في حجمه ما تكبّدته الأمة في كل صراعاتها السابقة مع العدو الإسرائيلي، فضلاً عن التحديات التي فرضتها تدخلات قوى إقليمية غير عربية.
اليوم، وبعد هذه التجربة المريرة، يصبح السؤال: ما العمل؟
اجترار الماضي لا يفيد، وانتظار الحلول من الخارج لم يعد خياراً آمناً كما أنه ليس ممكناً. المطلوب إعادة بناء نظام عربي جديد، يرتكز على منظومة أمنية متماسكة، تقوم على حقيقة أثبتتها التجربة: لن يحمي العرب سوى العرب.سوي أنفسهم !
إن تفعيل مشروع كهذا يبدأ بحوار عربي جاد وصريح، بغير انفعالات ومزايدات، إدراكاً بأن العزلة السياسية أو الجغرافية بين الدول العربية وهم لم يعد ممكناً في عالم مترابط. فالعرب جميعاً مستهدفون، في أوطانهم وثرواتهم وهويتهم، ولا بد من يقظة شاملة تدفع باتجاه مشروع جامع قادر على مواجهة التحديات.
الخيار إذن واضح ومحدد ومباشر : اليوم قبل الغد. فالتأجيل لم يعد وارداً، والاستمرار على النهج الحالي قد يقود إلى فقدان المستقبل ذاته..المستقبل كله!