في ذكرى وفاته.. من هو جيمي كارتر وسيط اتفاقية كامب ديفيد؟
تحل اليوم الإثنين ذكرى وفاة جيمي كارتر الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة بين 1977 و1981.
ولد 1924 في بلدة بلينز الريفية بولاية جورجيا في أسرة بسيطة، كان والده مزارعًا ووالدته ممرضة، نشأ كارتر في بيئة ريفية علمته الاعتماد على النفس وقيم العمل الجاد.
كانت والدته مصدر إلهام له، خاصة بعد انضمامها في سن الثامنة والستين إلى فيلق السلام الأمريكي الذي أسسه الرئيس جون كينيدي، حيث عملت لمدة عامين في الهند.
هذا الانغماس المبكر في قيم الخدمة العامة والعطاء الإنساني ساعد كارتر على تكوين رؤية حياة مليئة بالالتزام بالمجتمع وخدمة الآخرين.
التعليم العسكري
بعد تخرجه من المدرسة الثانوية، كان لاعبًا متميزًا في كرة السلة، التحق كارتر بالكلية البحرية في أنابوليس، وتخرج منها ليخدم سبع سنوات كضابط في سلاح الغواصات، خلال هذه الفترة، اكتسب خبرات قيادية ونضجًا شخصيًا ساعداه لاحقًا في مجالات السياسة والإدارة، وبعد وفاة والده، عاد كارتر لإدارة مزرعة العائلة، وتعرف على صعوبات الحياة اليومية للمزارعين الأمريكيين، ما شكل جزءًا مهمًا من فلسفته السياسية التي ركزت على النزاهة والعدالة الاجتماعية.

البداية السياسية
انخرط كارتر في الحياة السياسية المحلية بسرعة، فبعد فترة قصيرة من العمل في مجلس شيوخ في ولاية جورجيا، تمكن من الفوز بمنصب حاكم الولاية عام 1970، وخلال فترة حكمه في جورجيا، ركز على تحسين الإدارة الحكومية ومحاربة الفساد، مستفيدًا من قيمه الأخلاقية الصارمة وتجربته في الإدارة العسكرية والزراعية، كما ساعدت خلفيته المتواضعة وانخراطه المبكر في النشاط المجتمعي على بناء قاعدة دعم قوية من المواطنين العاديين، الذين وجدوا فيه شخصًا يعكس حياتهم وقيمهم، وكان لهذا الأسلوب تأثير مباشر على شعبيته التي أهلته لاحقًا لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية.
الرئاسة الأمريكية
انتخب كارتر الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة عام 1976، وبرزت رئاسته ببرنامج سياسي قائم على الشفافية والنزاهة الشخصية، وهي السمات التي كانت جزءًا أساسيًا من صورته العامة، لكن فترة حكمه لم تخلو من التحديات الكبرى؛ فقد شهدت ولايته العديد من الأزمات الداخلية والخارجية، وأبرزها أزمة الرهائن في إيران، والتي شكلت ضربة دبلوماسية كبيرة وأثرت بشكل مباشر على فرصه في الفوز بولاية ثانية، ورغم ذلك، استطاع كارتر تحقيق إنجازات مهمة، على رأسها اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، والتي مثلت نموذجًا نادرًا للسلام الدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. خلال فترة رئاسته، ركز كارتر على تعزيز حقوق الإنسان في السياسة الخارجية الأمريكية، ما جعله يحظى باحترام المجتمع الدولي على الرغم من الانتقادات الداخلية التي تلقاها بسبب بعض الأزمات الاقتصادية والسياسية.

كامب ديفيد
في عام 1978، دعا كارترالرئيس أنور السات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن إلى منتجع الرئاسة في كامب ديفيد بالولايات المتحدة. في تلك الفترة، كانت تقييمات كارتر السياسية في أدنى مستوياتها، وكان الاقتصاد الأميركي يعاني أزمة، إضافة إلى أن لا أحد من القادة كان يبدو مستعدًا للتوصل إلى اتفاق يعكس الجهود الكبيرة، إلا أن رهان كارتر على عقد اتفاق بين الأطراف المتنازعة تحقق بنجاح.
وكان كارتر يسعى في الاتفاق إلى تضمين جدول زمني لإنهاء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، إلا أن تلك القضية تأجلت في الاتفاق النهائي. وفي السنوات اللاحقة، أصبح واضحًا إحباط كارتر من استمرار نمو المستوطنات، وهو ما أدى إلى تعرضه لانتقادات شديدة من بعض الأوساط اليهودية.
العلاقات المتوترة
بعد مغادرته المكتب الأبيض، بدأ كارتر توجيه انتقادات حادة لإسرائيل، وتوجت تلك الانتقادات بكتاب نشره عام 2006 بعنوان "فلسطين: السلام لا الفصل العنصري". وأثار الكتاب جدلاً واسعًا، إذ اتهمه البعض بـ"معاداة السامية"، في حين اعتبره آخرون "تحديًا لموروث سياسي يستحق الاحتفاء به"، ولم يكن كارتر يتوانى عن انتقاد سياسة إسرائيل في ما يخص المستوطنات، ووجود اليهود المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان استخدامه لكلمة "فصل عنصري" في وصف الوضع بين إسرائيل والفلسطينيين أحد أبرز النقاط التي أثارت غضبًا واسعًا.

مركز كارتر
شكل تأسيس مركز كارتر في أتلانتا نقطة تحول حاسمة في نشاطه اللاحق، إذ لم يقتصر المركز على كونه مكتبة رئاسية تقليدية بل أصبح ساحة لتبادل الأفكار والآراء لإيجاد حلول للأزمات الدولية، ومن بين برامج المركز المهمة ما يعرف بـ "جلوبال 2000"، وهو منظمة إغاثة تسعى لتعزيز وسائل السيطرة على الأمراض وتحسين الإنتاج الزراعي في بلدان العالم الثالث. وفي عام 2002 أصبح كارتر ثالث رئيس أمريكي يفوز بجائزة نوبل للسلام بعد تيودور روزفلت وودرو ويلسون.
كان كارتر خلال السنوات الأربع التي قضاها في الرئاسة مناصرًا للحقوق المدنية والمساواة، وتميزت فترته بنزعة ليبرالية وإنسانية وفي عام 2006، هاجم كارتر بقوة السياسات التي كانت تتبعها الحكومة الإسرائيلية حيال الفلسطينيين، وقال في مهرجان "هاي" السنوي للكتاب الذي يقام في ويلز ببريطانيا إن "واحدة من أكبر جرائم حقوق الإنسان في العالم تتمثل في تجويع وسجن 1.6 مليون فلسطيني"، وهو ما أثار انتقادات من قبل إسرائيل، وبعد مرور عام، انضم كارتر إلى الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا في لجنة الحكماء، وهي مجموعة مكونة من الزعماء العالميين التزمت بالعمل في سبيل السلم وتعزيز حقوق الإنسان.

دعاة السلام
وكان كارتر من دعاة الحد من حيازة السلاح، ومؤيدًا لزواج المثليين، وإلغاء عقوبة الإعدام كما كان من مناهضي إساءة معاملة معتقلي سجن جوانتانامو، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ولم يتردد في انتقاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ وصفه في مقابلة له مع صحيفة "واشنطن بوست" عام 2018 بأنه "كارثة" و"جاهل".
الوفاة
توفي الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر عن عمر يناهز 100 عام، مخلفًا إرثًا طويلًا من العمل السياسي والدبلوماسي، ورحل كارتر بعد حياة طويلة، لكن تأثيره لم يتوقف عند حدود فترة رئاسته، بل امتد ليشمل جهود السلام في العالم بأسره، ومبادرات لمكافحة الفقر وتعزيز التعليم والصحة في المجتمعات الأكثر ضعفًا.
