قصر العيني يفتح عصر الطب الدقيق والعلاج الموجه للأورام| حوار خاص
يشهد قطاع الرعاية الصحية في مصر، وبخاصة داخل المستشفيات الجامعية، نقلة نوعية غير مسبوقة في مسار تشخيص وعلاج الأورام، مدفوعًا بتبني مفاهيم الطب الدقيق والطب الشخصي، التي باتت تمثل مستقبل الممارسة الطبية عالميًا.
وفي هذا الإطار، يبرز قصر العيني كلية طب جامعة القاهرة تحت رعاية الدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة والدكتور حسام صلاح مراد عميد كلية الطب ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية، كأحد أبرز المؤسسات الأكاديمية والطبية التي تقود هذا التحول، من خلال إدخال أحدث التقنيات الجزيئية وربطها مباشرة بالمسار العلاجي للمرضى.
ومع تدشين جهاز Idylla المتطور داخل قصر العيني، تبدأ مرحلة جديدة تعتمد على التشخيص الجيني الدقيق للأورام، بما يضمن سرعة غير مسبوقة في إصدار النتائج، ودقة عالية في تحديد الطفرات الجينية المسؤولة عن المرض، الأمر الذي ينعكس مباشرة على اختيار العلاج الأمثل لكل مريض على حدة.
هذه التقنية لا تمثل مجرد إضافة تكنولوجية، بل تؤسس لمنظومة متكاملة تربط بين التشخيص، والعلاج، والبحث العلمي، والتعليم الطبي.
وفي هذا الحوار، تفتح لنا الدكتورة هالة نجيب حسني، رئيس قسم الباثولوجي بقصر العيني، نافذة معمقة على آفاق هذه التقنية المتقدمة، موضحة أبعادها الطبية والبحثية، ودورها في دعم مفهوم العلاج الموجه، وتعزيز التكامل بين الأقسام المختلفة، فضلًا عن رؤيتها الاستراتيجية لمستقبل الطب الدقيق داخل قصر العيني والمستشفيات الجامعية المصرية.
س: مع تدشين جهاز Idylla داخل قصر العيني، كيف ترون تأثير هذه التقنية على دقة وسرعة التشخيص الجزيئي للأورام، وما الفرق الجوهري الذي سيحدثه هذا الجهاز مقارنة بالطرق التقليدية، خاصة في حالات سرطان الرئة والقولون والثدي؟
في البداية وقبل الحديث عن التشخيص الجزئي للأورام يجيب التأكيد أن هذا الجهاز تم التبرع به من جمعية أصدقاء قصر العيني, و في الحقيقة، يُعد جهاز Idylla من أكثر الأجهزة تطورًا في مجال التشخيص الجزيئي للأورام، وهو يمثل نقلة حقيقية مقارنة بالأساليب التقليدية المعتمدة سابقًا.
الفارق الجوهري يكمن أولًا في السرعة الفائقة؛ حيث إننا بمجرد وضع عينة الورم داخل الجهاز، نحصل على تقرير متكامل خلال أقل من ثلاث ساعات، بينما كانت الطرق التقليدية تستغرق أيامًا، وربما أسابيع، لإصدار نتائج مماثلة.
أما من حيث الدقة، فالجهاز يعتمد على تحليل الـDNA الموجود داخل الخلايا السرطانية، ما يتيح لنا التعرف بدقة شديدة على الطفرات الجينية المحددة المسؤولة عن نمو الورم.
في السابق، كان يتم تصنيف السرطان بشكل عام؛ فسرطان الثدي له بروتوكول علاج موحد، وكذلك سرطان الرئة أو القولون، بغض النظر عن الفروق الجينية بين المرضى.
اليوم، مع جهاز Idylla، نحن لا نعالج المرض فقط، بل نعالج المريض نفسه. فكل ورم له بصمتها لجينية الخاصة، وعلى أساس هذه البصمة نحدد العلاج الأنسب، وهو ما يُعرف بـ العلاج الموجه (Targeted Therapy) أو العلاج الشخصي (Personalized Therapy). هذا النهج يضمن فاعلية أعلى للعلاج، ويقلل من الآثار الجانبية، ويزيد من فرص الاستجابة والتحسن.
س: كيف ستُسهم الوحدة المتخصصة لجهاز Idylla في ربط البحث العلمي بالخدمة الطبية العملية، وهل هناك خطط واضحة لدمج طلاب الدراسات العليا في الأبحاث المعتمدة على نتائج هذا الجهاز؟
هذا السؤال في غاية الأهمية، لأن القيمة الحقيقية لأي تقنية حديثة لا تقتصر على الخدمة العلاجية فقط، بل تمتد إلى دعم البحث العلمي والتعليم الطبي. بالفعل، بدأنا خطوات عملية في هذا الاتجاه، حيث تم تسجيل أول رسالة دكتوراه لمدرس مساعد بقسم الأمراض الصدرية، وتركز رسالتها على حالات سرطان الرئة، باستخدام نتائج التحاليل الجزيئية الصادرة عن جهاز Idylla.
الميزة هنا أن البحث العلمي أصبح مرتبطًا مباشرة بالحالات المرضية الفعلية. فالعينات التي يتم تحليلها هي لمرضى حقيقيين موجودين بالفعل داخل الأقسام الإكلينيكية، سواء كانوا محجوزين بالمستشفى أو يخضعون لإجراءات تشخيصية مثل المناظير. يتم سحب العينات، وتحليلها داخل الوحدة، ثم تُستخدم النتائج في وضع خِطَّة علاج شخصية لكل مريض.
بهذا الشكل، نكون قد حققنا التكامل بين البحث العلمي، والتعليم، والخدمة الطبية. كما أن الجهاز لا يقتصر على تحليل عينات الأنسجة فقط، بل يمكنه أيضًا تحليل عينات الدم لاستخراج الـDNA الخاص بالورم المنتشر في الدم، وهو ما يُعرف بـ circulating tumor DNA، مما يفتح آفاقًا أوسع للبحث العلمي، ويجعل الوحدة منصة متكاملة لطلاب الدراسات العليا داخل قصر العيني وخارجه.
س: كيف سيعمل جهاز Idylla كوحدة شبكية تربط قسم الباثولوجي ببقية أقسام الكُلْيَة، وما انعكاس ذلك على منظومة العمل الطبي داخل قصر العيني؟
في الواقع، هذه الوحدة صُممت منذ البداية لتكون وحدة متعددة التخصصات (Multidisciplinary Unit)، وليست حكرًا على قسم واحد. جهاز Idylla بطبيعته يخدم جميع التخصصات المعنية بعلاج الأورام، وبالتالي فهو يربط بشكل مباشر بين قسم الباثولوجي وبقية الأقسام الإكلينيكية.
فعلى سبيل المثال، حالات سرطان القولون تستدعي التعاون مع أقسام الجهاز الهضمي، بينما حالات سرطان الرئة تتطلب تنسيقًا وثيقًا مع قسم الأمراض الصدرية، وكذلك الحال مع أورام الثدي وأقسام الجراحة والأورام. هذه الوحدة تخلق شبكة تواصل علمي وعملي بين الأقسام المختلفة، وتضمن أن يكون التشخيص الجزيئي جزءًا أصيلًا من رحلة علاج المريض منذ اللحظة الأولى.
هذا التكامل يعزز من مفهوم العمل الجماعي، ويضمن اتخاذ قرارات علاجية دقيقة قائمة على أسس علمية وجينية واضحة، بدلًا من الاعتماد على بروتوكولات عامة لا تراعي الفروق الفردية بين المرضى.
س: ما الآلية التي تضمن أن تكون نتائج التشخيص الجزيئي الصادرة عن الجهاز مرتبطة بشكل مباشر بخطط العلاج المتخصصة لكل مريض؟
في الحقيقة، آلية الربط هنا هي جوهر وجود الوحدة نفسها. فالوحدة لها رسالة واضحة، تتمثل في استقبال عينة المريض – سواء كانت نسيجًا أو دمًا وتحليلها جينيًا في أسرع وقت ممكن، ثم إصدار تقرير شامل يوضح التركيب الحيني والجزيئي للورم.
هذا التقرير لا يُعد مجرد نتيجة معملية، بل هو خريطة علاجية يتم على أساسها تحديد نوع العلاج الموجه المناسب للمريض. بمعنى آخر، التشخيص الجزيئي هو نقطة الانطلاق لوضع خطة العلاج، وليس خطوة منفصلة عنها. هذا التكامل يضمن أن يحصل كل مريض على علاج مصمم خصيصًا له، بناءً على خصائص ورمه الجينية، وهو ما يمثل جوهر الطب الدقيق.
س: مع الانطلاقة الحالية لجهاز Idylla، ما الرؤية الاستراتيجية المستقبلية لقصر العيني في مجال الطب الدقيق، وهل هناك توجه لتوسيع نطاق هذه التجربة؟
قصر العيني يشهد تطورًا مستمرًا، وهناك دائمًا إرادة حقيقية للتحديث والتطوير، خاصة في ظل قيادة واعية ومخلصة، وعلى رأسها الدكتور حسام صلاح، الذي يضع مصلحة المريض والمؤسسة فوق أي اعتبار. الرؤية الاستراتيجية المستقبلية تتمحور حول تعظيم الاستفادة من الطب الدقيق، لأنه الأكثر دقة وفاعلية في علاج المرضى.
نطمح إلى أن تخدم هذه الوحدة مرضى قصر العيني، وكذلك المرضى من خارج المستشفى، إلى جانب دورها البحثي والأكاديمي. كما أن التجربة مرشحة للتوسع مستقبلًا لتشمل تشخيص أمراض أخرى، وليس الأورام فقط، إذ إن الطب الدقيق يمكن أن يكون له دور مهم في بعض أنواع العدوى والأمراض المعقدة.
نحن في بداية طريق واعد، ومع استمرار العمل والدعم، سيشهد الطب الدقيق توسعًا أكبر داخل المستشفيات الجامعية، بما ينعكس إيجابًا على جودة الرعاية الصحية في مصر.
يمثل تدشين جهاز Idylla داخل قصر العيني خطوة فارقة في مسار التحول نحو الطب الدقيق، ويؤكد أن المستشفيات الجامعية المصرية قادرة على مواكبة أحدث ما توصل إليه العلم الطبي عالميًا. فالتقنية الجديدة لا تقتصر على تحسين سرعة ودقة التشخيص فحسب، بل تؤسس لمنظومة علاجية متكاملة تقوم على فهم الخصائص الجينية لكل مريض، وتقديم علاج موجه يتناسب مع حالته الفردية.
ومن خلال هذا الحوار، تتضح الرؤية الشاملة التي تتبناها كُلِّيَّة طب قصر العيني، التي تقوم على الدمج الحقيقي بين البحث العلمي والخدمة الطبية والتعليم الأكاديمي، بما يضمن إعداد كوادر طبية وبحثية قادرة على قيادة المستقبل. كما يبرز الدور المحوري لقسم الباثولوجي في دعم اتخاذ القرار العلاجي، وتعزيز التعاون بين مختلف التخصصات الطبية.
ما يشهده قصر العيني اليوم ليس مجرد إدخال جهاز حديث، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة يكون فيها المريض في قلب المنظومة، ويُصبح الطب الدقيق عنوانًا للعدالة العلاجية والكفاءة الطبية. ومع استمرار هذا النهج، يظل الأمل قائمًا في أن تمتد هذه التجربة الرائدة لتشمل مختلف المستشفيات الجامعية، بما يعزز مكانة مصر على خريطة الطب الحديث إقليميًا ودوليًا.
