استخدم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى مصطلح "سياسة الاتزان الإستراتيجى" خلال احتفالية إفطار الأسرة المصرية خلال شهر رمضان الماضى ليوضح أسلوب تعامل الدولة المصرية وتحركها سواء فى الداخل أو الخارج أمام الأزمات والقضايا والتهديدات التى تتعرض لها دون اندفاع أو تهاون، كما استخدم السيد بدر عبد العاطى مصطلح الصبر الإستراتيجى فى ذات الإطار..
وهذا ما يفسر لنا ما قامت به الدولة من رسم خطوط حمراء تجاه بعض القضايا التى تهدد أمنها القومى بصفة عامة وهو ما حدث مع ليبيا وأثيوبيا وغزة وأخيراً السودان.... بل أن الدولة تعاملت بنفس السياسة مع التهديدات الداخلية أيضاً وذلك عندما إستشعرت خطورة إستمرار نظام حكم جماعة الإخوان المسلمين التى كانت تقوم فى البداية على سياسة التفرقة والإقصاء بين أبناء الوطن الواحد والعمل على تمكين الجماعة من السيطرة على مفاصل الدولة ثم تحولت إلى العنف المسلح داخل البلاد من خلال تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية داخل المدن المصرية... وعند هذه المرحلة ساندت القوات المسلحة شعبها فى ثورة يونيو 2013 لإسقاط نظام الإخوان بعد أن اكتشفت النوايا الحقيقية لتلك الجماعة.
وفى عام 2021 أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى بأن تقدم تركيا نحو مدينة سرت والجفرة فى ليبيا يمثل "خط أحمر" وذلك لاتخاذ القوات التركية قرارات توسعية للسيطرة على كامل الأراضى الليبية بعد أن تمكنت بالتنسيق مع الحكومة الليبية المؤقتة فى طرابلس لتحقيق ذلك ثم حاولت التوجه شرقاً من الحدود المصرية وهو الأمر الذى دفع مصر للإعلان عن أن أى تقدم أو اقتراب لأى قوات أجنبية متواجدة فى ليبيا من الناحية الشرقية المتاخمة للحدود المصرية هو "خط أحمر" سوف تواجهه الدولة المصرية بكل قوة وحزم.
ومع الدولة الأثيوبية إستمرت المفاوضات واللجوء إلى كافة الوسائل السلمية والوساطات الدولية لمدة لا تقل عن عشر سنوات كى لا يؤثر بناء السد الأثيوبى على الحصة المائية التى ترد إلى مصر سنوياً وإعتبار ذلك مسألة وجود وحياة ومع ذلك فقد رفضته أثيوبيا بكل تعنت وغرور وهو الأمر الذى أعلن الرئيس أن مياه النيل "خط أحمر" لأنه يتعلق بحقوق مصر التاريخية وأن ذلك يمثل خطراً كبيراً على حياة الشعب المصرى وهنا أيضاً نشير إلى مصداقية السيد الرئيس الذى راعى كافة أساليب الاتزان الإستراتيجى قبل أن يهدد بالتصدى لمواقف الدولة الأثيوبية بكافة الأساليب المتاحة إذا استمرت على هذا التعنت وإلى رفض الحلول السلمية.
وفى غزة أعلن الرئيس أمام العالم أن تهجير الفلسطينين من أراضيهم يمثل
"خطاً أحمر" منذ اليوم الأول بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 التى قامت بها حركة حماس الإخوانية وذلك عندما فطن الرئيس إلى المخطط الإسرائيلى الرامى إلى تهجير الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته برمتها ومازال هذا الأمل هو ما تسعى إسرائيل إلى تحقيقه ومازالت مصر تقف بالمرصاد لإجهاض هذا الهدف وتلك المخططات.
ومؤخراً حضر الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادى الانتقالى السودانى إلى مصر مطالباً بالعون والمساعدة تجاه العدوان التى تتعرض له الأراضى السودانية من قوات الدعم السريع والتى تضم مليشيات متعددة الأجناس والمأجورة والممولة من قبل بعض الدول العربية والأجهزة المخابراتية الدولية وتحاول خلق كيانات موازية للشرعية السودانية وهو الأمر الذى دفع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى التمسك و الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها ومنع المساس بها أو تقويضها وإن ذلك يعتبر "خطاً أحمر" لا يمكن تجاوزه مشدداً على حق مصر الكامل فى إتخاذ كافة التدابير والإجراءات التى يكفلها القانون الدولى واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين بما يضمن عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.
الشاهد فى كل ما أشرت إليه من تحديات تهدد الأمن القومى المصرى إنه على الرغم من كل ذلك فإن مصر لم تنجرف نحو أى عمل عسكرى يسقط حقها فى أن تكون دائماً "الدولة المرجعية" فى جميع التحديات والأزمات التى تشهدها المنطقة والتى تمثل خطراً على الأمن القومى المصرى وهو ما جعلها محل تقدير واحترام من جميع دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التى بدأت تسعى حثيثاً للتدخل القوى والمؤثر على جميع تلك الحروب والأزمات التى من الممكن أن تؤثر على الأمن والاستقرار فى مصر.
إن مصر مازالت تتمسك بمحددات أخلاقية وسياسية تمثل التوازن الإستراتيجى لها بين جميع دول العالم وتحكم السلوك الإقليمى والدولى لها خاصة فيما يتعلق برؤيتها لنزاعات المنطقة....ومن أهم تلك المحددات...
-التأكيد على سيادة الدول الأخرى وسلامة أراضيها من التفكك والانقسام دون التدخل فى شؤونها الداخلية طالما أن ذلك لا يمثل تهديداً للأمن القومى المصرى.
-احترام ودعم الدول الوطنية وحقوق الإنسان بها ونبذ العنف ضد شعوبها سواء فى المنطقة العربية أو خارجها.
-رفض التعامل مع الحكومات المعتدية أو المتعدية وكذلك المليشيات والجماعات المسلحة.
-البعد عن الاستقطاب الإقليمى مهما كانت المغريات وإقامة علاقات متوازنة مع الدول المختلفة وفقاً لأبعاد أمنها القومى.
-عدم اللجوء إلى القوة العسكرية لحل الأزمات على الرغم من رسم خطوط حمراء إذا أثر ذلك على أمنها القومى بل تغليب الحلول الدبلوماسية فى المقام الأول.
هذه هى سياسة مصر القائمة على مبدأ "الاتزان الإستراتيجى" الذى يراعى فى المقام الأول الأمن القومى المصرى وأمن المنطقة العربية بحسبانهما يؤثر كل منهما على الآخر بما يجعل سياستها تتسم بالقوة الأخلاقية وتؤكد على ثوابت سياسية راسخة تحظى باحترام العالم بأسره.