ثمة خلافات قائمة بين العديد من الباحثين والمحللين لقضايا الأمن الفكري ومواجهة التطرف حول الاعتماد على المنهجية الصوفية العلمية والطرقية، ودورها الجوهري في تحجيم تمدد الفكر الأصولي التقليدي والحركي، والحفاظ على محددات ومفاهيم الدولة الوطنية، وبين من يضعها في نطاق التشابه والتشابك مع مكونات "الإسلام السياسي".
في اعتقادي أن توصيف التطابق أو التقارب بين المنهجية الصوفية وكيانات الإسلام السياسي يمثل إجحافًا للكثير من الحقائق التي يتم إغفالها عمدًا، انتصارًا لأطروحات فكرية تعادي الحركة الصوفية على امتداد تاريخها القديم والمعاصر.
فالحركة الصوفية لم تقصر رؤيتها لـ"الإسلام" على وضعية شكل الدولة، فلم تطرح أو تؤمن بمفاهيم "دولة الخلافة"، وكذلك لم تحصر "مقاصد الشريعة" في "تطبيق الحدود"، وفق القراءة القاصرة والسطحية للنصوص الدينية.
تمادت الحركات الأصولية في تبني وتعميم أطروحات "التكفير" على مستوى القاعدة الجماهيرية وفق مصطلحات "جاهلية المجتمع"، التي صاغها سيد قطب ومن سار على شاكلته، ابتداءً من شكري مصطفى، وانتهاءً بأبي بكر البغدادي وأبي محمد الجولاني وأيمن الظواهري، وغيرهم ممن تاجروا بالشريعة لتحقيق مآربهم الخاصة أو التوظيفية الإقليمية، أو على مستوى مؤسسات الدولة ورموزها وفق ما يعرف بـ"الفئة الممتنعة"، أي التي امتنعت عن "تطبيق الشريعة" في حال توليها مقاليد السلطة، أو لمخالفتها لمنهجية وتفسيرات الشريعة التي تؤمن بها هذه الجماعات على مستوى المؤسسات التنفيذية والتشريعية.
بينما المنهجية الصوفية لم تتطرق أو تقع في فخ "التكفير"، ولم تطلق أيًا من التفسيرات أو الرؤى الشرعية التي تجيز من خلالها "تكفير" مخالفيها أو تستبيح وتجيز بها دماء معارضيها، أو تتطاول بها على الدولة ومؤسساتها، في إطار من الإيمان بسماحة الرسالة المحمدية على مستوى المضمون الفكري والسلوكي والعقائدي، وأن جوهر الشريعة إنما جاء لإضفاء الأمن المجتمعي والتعايش السلمي، وليس من قبيل التناحر والتقاتل بين البشر.
كما أن الحركة الصوفية لم تنتهج أو تمارس "العنف" ضد مؤسسات الدولة الوطنية، ولم تسعَ أو تساهم في إسقاط الأنظمة السياسية، لكنها ساهمت تاريخيًا في مقاومة الاحتلال في العديد من الدول قديمًا وحديثًا، خلافًا للجماعات الأصولية التي تبنت ووضعت على قائمة أولوياتها منهجية "الاغتيالات"، وصاغت هياكلها التنظيمية والحركية وفق الخلايا السرية والمسلحة، التي وظفتها في النيل من خصومها الأمنيين والسياسيين والدينيين.
ربما النقطة الأهم تتمثل في رؤية كل منهما حول مفهوم "الجهاد"؛ فبينما تعتبر المنهجية الصوفية أن "الجهاد" يدور في فلك تربية النفس ومقاومة غوايتها، ووضعت مفهوم "القتل" في إطار خصوصية دور الدولة والقائمين عليها، بما يحقق "احترام" وتقدير رؤية المؤسسات التنفيذية في ضمان حماية "الوطن" أو الأمة المتعايشة في نطاقه ومحدداته الجغرافية والقيمية، على حين قصرت الجماعات الأصولية تعريف "الجهاد" واختصرته في القتل، وكان بمثابة الأداة التي استخدمتها في التنكيل بكل المخالفين لتوجهاتها وأهدافها ورؤيتها فيما يخص مشروعها الحركي والفكري والتنظيمي.
فكرة أن هناك توافقًا بين الجماعات الأصولية والمنهجية الصوفية فيما يخص السيطرة على الأتباع تمثل "نظرة عرجاء" لمعتنقيها، إذ إن الانتماء للطرق الصوفية أو محبة مشايخها ومريديها، أو زيارة الأولياء من الصالحين، لا يتوقف على ضرورة الانتماء لطريقة بعينها، ولا يتم في إطارها سلب قناعات الفرد أو إرادته، ولم تضع الانتماء إليها ومبايعة مرشدها شرطًا لتحقيق مفهوم الإيمان أو الإسلام، ولم تضع أتباعها في المفاضلة بين الانتماء الديني أو الانتماء الوطني، ولم تُربِّ أو توجه أبناءها على تغليب المصلحة الخاصة للدائرة الصوفية على مصلحة الدولة ومؤسساتها، وإنما تتسق شعائرها العبادية والسلوكية مع محددات الحفاظ على الدولة الوطنية في إطار الدور التربوي والقيمي للرسالة النبوية المحمدية.
خاصة أن "البيعة الصوفية" في ذاتها "بيعة روحية"، وليست بيعة قائمة على مفهوم "الولاء التنظيمي"، بما يفكك أبجدية العمل الجماعي التنظيمي الذي قامت عليه بنية تيارات الإسلام الحركي، والتي وضعت أتباعها وأفرادها في دائرة "العزلة الشعورية" عن المجتمع وعاداته وتقاليده، بما يضمن لها التكريس لمصطلحات "الولاء والبراء"، و"الفئة المؤمنة"، و"الجماعة المصطفاة".
فلم نسمع يومًا أن صوفيًا حمل سلاحًا ضد مؤسسات الدولة، أو ضد مخالفيه فكريًا وعقائديًا، أو سجلت وسائل الإعلام المحلية والإقليمية أن ممن تشبعوا بالمنهجية الصوفية خططوا للانقلاب على الدولة والقائمين عليها رغبة في إقامة "الثورة الإسلامية" أو "الخلافة المزعومة" التي تاجرت بها الجماعات الأصولية واخترعتها وفق تفسيراتها الفكرية المنحرفة التي نبتت وفق المنهجية الوهابية.
كما لم تنتهج الطرق الصوفية فكرة "العمل السري" أو "الاختراق المجتمعي"، أو تتبنَّ مفاهيم "الدولة البديلة" أو "الدولة الموازية" في طريقة تعاملها وانتشارها داخل المجتمع، مثلما انتهجت الجماعات الأصولية التقليدية والحركية في طريقة تمددها واختراقها لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان والتيارات السلفية، في محاولة لتطويع هذه المؤسسات لخدمة أهدافها الفكرية والتنظيمية.
كما أن الخطاب الدعوي للمنهجية الصوفية خطاب وجداني روحي، قائم على المحبة والتسامح والسلام، والسمو الأخلاقي والتعايش المشترك، والصفاء النفسي والزهد والمجاهدة الذاتية، في مقابل خطاب تيارات "الإسلام السياسي"، المبني على المغالاة والتطرف والتوظيف الديني لخدمة الأغراض والأهداف الخاصة.
والحديث عن أن التدين الصوفي "حركة مسالمة" مستأنسة، أو يمثل "الإسلام الخانع"، أو أنه لعب دور العامل المساعد في شرعنة السلطة الحاكمة، ضرب من الوهم، وكلام مردود على أصحابه، لا سيما أن الكثير من حقائق التاريخ تبرز الدور النضالي للطرق الصوفية ورموزها باعتبارها منبعًا للحراك والاتصال السياسي، وأداة تعبوية اجتماعية وعسكرية، ومساحة للتجلي الجهادي من أجل الدفاع عن الحقوق المجتمعية واستقلال وحماية الأوطان، مثل الإمام الجنيد، ومعروف الكرخي، وإبراهيم بن أدهم، وأبي يزيد البسطامي، والسري السقطي، والعز بن عبد السلام، ومجد الدين القشيري، ومحيي الدين بن سراقة، والشيخ أحمد الدردير، والذين قادوا الألوية الجهادية في أوقات الأزمات والشدائد، فضلًا عن دور الطرق الصوفية ضد الاحتلال الغربي في القارة الإفريقية والآسيوية على مدار التاريخ القديم والمعاصر.
لا يمكن اختزال التصوف أو وضعه في خانة واحدة مع تيارات "الإسلام السياسي"، سواء من حيث المنطلقات الفكرية أو الأهداف أو الممارسات الحركية، فالمنهجية الصوفية، بجذورها الروحية والتربوية والأخلاقية، تمثل مسارًا مغايرًا تمامًا لمنطق التسييس الديني والصراع على السلطة، والذي شكّل جوهر المشروع الأصولي الحركي.
فالتصوف في مضمونه يعد أحد أدوات استراتيجية الأمن الفكري والتحصين المجتمعي ضد التطرف، لا سيما أنه لا يمثل بديل أيديولوجي، أو مشروع سلطة أو هيمنة، بقدر ما يمثله من منظومة قيمية وروحية قادرة على تفكيك خطاب العنف وتجفيف منابع التطرف، وإعادة الاعتبار لجوهر الرسالة المحمدية بعيدًا عن التوظيف الحركي والتنظيمي، وترسيخ الاستقرار، وصون الدولة والمجتمع من الانزلاق إلى دوائر العنف والفتنة.