رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 
جاء مصرع  رئيس الأركان الليبي التابع للمجلس الرئاسي الفريق أول ركن محمد الحداد مصرعه إثر تحطم طائرته أثناء عودته من أنقرة رفقة وفد عسكري رفيع متجهين إلى طرابلس، ليثير لغزاً محاطاً بضباب كثيف من التناقضات الفنية، والروايات المتضاربة، والمصالح السياسية المتشابكة. الأدلة الميدانية الأولية تشير إلى غرابة تستدعي تحقيقًا جنائيًا دقيقًا ومحايدًا، لا تحقيقات سياسية موجهة، والفريق أول  محمد الحداد داعم بارز لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية وشارك  بفاعلية في اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" برعاية أممية،  وعمل الفريق أول محمد الحداد على تعزيز علاقات التعاون العسكرية بين قوات الجيش الليبي التابعة للمجلس الرئاسي عبر علاقات عسكرية دولية واسعة.


ما حدث قد يتجاوز مجرد عطل فني روتيني، حيث كشف موقع CNN التركي، نقلًا عن خبير الطيران التركي مراد هيردم، تفسيرات مثيرة حول حادثة سقوط الطائرة التي كانت تقل الفريق محمد الحداد وعددًا من مرافقيه جاء فيه : 
1-  إن المؤشرات الحالية ترجّح حدوث “وضع خطير” داخل الطائرة أدى إلى تعطل كامل في النظام الكهربائي قبل لحظات من السقوط، وهي حالة لا تنتج عادة عن الخلل الفني العادي وإنما قد تكون ناجمة عن نشوب حريق داخلي أو ما وصفه بـ”التدخل الخارجي”،  ونشير هنا إلى أن التدخل الخارجى قد يكون هجوم سيبرانى على الطائرة . يتمكن من خلاله المهاجمين  من السيطرة علي الطائرة وعلى أجزائها الحيوية ليقوموا  بإسقاطها، وهناك عدد من الدول القليل فى العالم  الذى له هذه المهارات الإستخباراتية السيبرانية، حيث تقوم بتجنيد مجموعات إجرامية محترفة، أو عصابات منظمة تتبعها مباشرة أو تعمل معها تحت ساتر  تنفذ مثل هذه العمليات وبدون أى بصمات لهذه الدول.
2- إن انقطاع النظام الكهربائي بالكامل في طائرة من هذا النوع يُعد من أخطر السيناريوهات المحتملة، إذ يترتب عليه فقدان الطيار للقدرة على التحكم بالأجهزة الملاحية الحيوية، مما يقلل بشكل حاد من فرص السيطرة على الوضع.
3- وأضاف أن مثل هذا الانقطاع المفاجئ لا يترك للطيار سوى ثوانٍ قليلة لمحاولة التعامل مع الطائرة قبل فقدان السيطرة عليها بالكامل.


ماذا نعرف عن  الفريق أول  محمد الحداد
دخلت ليبيا في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني. بعد أن أطاحت الثورة التي اندلعت عام 2011م، بدعم دولي قاده حلف شمال الأطلسي، بحكم العقيد معمر القذافي، وفي خضم تلك الفوضى، انقسمت المؤسسة العسكرية الليبية، جزء فى الشرق  يقوده المشير خليفة خفتر ونائبه اللواء صدام خفتر وبرزت قوى متنافسة فى الغرب  بقيادة الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية والذى إحتفظ لنفسه بمنصب وزير الدفاع وعين الفريق أول  محمد الحداد رئيسًا للأركان ، حيث  كان قد ساهم وتعاون مع القوى العسكرية المتمركزة في طرابلس، في تشكيل حكومة الوفاق الوطني، التي اعترفت بها الأمم المتحدة.


وفي عام 2015، تولى الحداد منصبًا قياديًا رفيعًا في المنطقة العسكرية بطرابلس، وهي إحدى أكثر المناطق حساسية من الناحية العسكرية في غرب ليبيا، وخلال الهجوم الواسع الذي شنته قوات "الجيش الوطني الليبي" بقيادة خليفة حفتر على العاصمة طرابلس في أبريل 2019، كان الحداد من أبرز القادة الذين تولوا تنظيم الدفاع عن المدينة، واستمرت المعارك حتى يونيو 2020، في ظل دعم تركي مباشر لحكومة الوفاق الوطني.


ومنذ تعيين الحداد رئيسًا لأركان الجيش الليبي من قبل حكومة الوفاق في سبتمبر 2020،  بدأ مرحلة من الاتصالات العسكرية المكثفة مع تركيا، شملت زيارات متكررة إلى أنقرة في أعوام 2020 و2024 و2025، وأخد على عاتقه مهمة مستحيلة، وهي توحيد الجيش الليبي والوصول لحكومة واحدة موحدة تنهي التقسيم والحروب والتدخلات الأجنبية المستمرة لأكتر من 15 سنة.


الفريق أول "الحداد" كان يسعى إلى تجميع المليشيات والقوات الليبية المتفرقة تحت راية واحدة، في الغرب، وكان يسعى لتجميع  "جيش وطني موحد"، وهذا يعنى أن ليبيا سترفض وجود  مرتزقة أو قوات أجنبية على أرضها، ومن ثم بدأت المشكلة، حيث يتواجد فى الشرق قوات فاجنر الروسية والتى يطلق عليها الآن قوات الفيلق الأفريقى ، وهى تتمركز فى وسط وجنوب ليبيا، ويتواجد فى الغرب مع الدبيبة قوات من تركيا وصل عددها إلى 4500 كمستشارين  ومدربين، بالاضافة الى مرتزقة من سوريا مازالوا متواجدين فى غرب ليبيا.
غياب الفريق أول محمد الحداد، يعد ضربة قاسية، للجهود المبذولة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، من قبل أبناء هذه المؤسسة، حيث أعلن الحداد في مناسبات عدة، رفضه القاطع لأي دعوات للحرب بين الليبيين، بعد أن تم تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف الليبية، رغم مشاركته في صد الهجوم الذي شنته قوات شرق ليبيا في أبريل 2019 ضد العاصمة طرابلس.


تداعيات الحادث على الغرب الليبى:
1- سياسياً: ينعكس غياب الفريق أول الحداد سلبًا على مخططات الدبيبة الرامية إلى التغيير فى  قيادات الأجهزة الأمنية، وإجراء تغييرات فى الوزراء، لما كان يمثل  وجود الفريق اول الحداد من عامل استقرار وسيطرة يعتمدعليها الدبيبة.


2- عسكرياً: خلق فراغ قيادي وخسارة كبيرة لميزان القوى العسكري في غرب ليبيا، خاصة أنه كان يلعب دورًا في دفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية وتجنب التصعيد مع الجيش الوطني في الشرق ، مع إمكانية حدوث صراع على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية في الغرب، وربما تصعيد مع الجيش الوطني في الشرق إذا تم تعيين قيادات متشددة، وما تردد عن  تكليف السيد صلاح النمروش،  وهو من  القيادات ذات الولاء المطلق لتركيا، بمنصب رئيس الأركان، الأمر الذى قد يقود إلى تصعيد أمني خطير” في شرق البلاد، ويؤثر على التوازن الهش القائم ، نظرًا لخلفياته فى  النزاعات السابقة. 


3- أمنيًا: يغذي الغضب الشعبي ضد الطبقة السياسية والفوضى الأمنية، ويهدد بموجات غضب قد تخرج عن السيطرة، خاصة في مدن مثل مصراتة ، والتحدى الأمنى الأكبر يتمثل فى استمرار تواجد الميليشيات في الغرب مع  آلاف المرتزقة السوريين الذين جاءت بهم تركيا لدعم حكومة الوفاق سابقًا، ورغم المطالبات الدولية بخروجهم، لم يُحرَز تقدم يُذكر في هذا الملف حتى 2025.
وأخيرًا يمكن القول أن وفاة الفريق أول الحداد من شأنه عودة المشهد فى ليبيا مرة أخرى للانقسام ، ويجعل الغرب الليبي في حالة تخبط،  وهناك مصلحة لدول عدة فى  إختفاء الحداد ، حيث كانت رغبته وسعيه لتوحيد المؤسسة العسكرية فى الشرق والغرب، وخروج القوات الأجنبية من ليبيا، لها أثر عكسي على مصالح تلك الدول:  


1- تركيا: مصلحتها في ليبيا ليس مجرد تحالف عسكري ولا استراتيجي،  وإنما صفقات بمليارات الدولارات، وعقود بحوالى 20 مليار دولار متوقفة على وجود نظام محتاج للدعم التركي ( حكومة الدبيبه)، وتسيطر تركيا حاليًا على الغرب الليبي، ويتواجد لها حوالي 4500 جندي تركي هناك، موجودين في قاعدتين عسكريتين في (الوطية ومصراتة)،والفريق أول الحداد كان يسعى لبناء جيش وطني ليبي، ويطالب بخروج القوات الأجنبية، بما فيهم الأتراك، والروس.
ومن هنا فإن وفاة الفريق أول الحداد فى حادث  فوق الأراضي التركية، وبعد 9 أيام فقط من قرار البرلمان التركي بتمديد وجود قواته في ليبيا لسنتين قادمتين،  وبعد زيارة رسمية لمدة سبعة ايام، عقد خلالها اجتماعات مع وزير الدفاع ورئيس الأركان التركى، من شأنه ان يسبب أزمة دبلوماسية كبيرة مع ليبيا .


2- روسيا :  تمثل ليبيا بالنسبة لروسيا  رئتها على البحر المتوسط بعد زوال نفوذها تقريبًا فى سوريا بعد انهيار نظام سوريا الموالى له فى أواخر 2024، وخسرت نفوذًا كبيرًا على خصمها الإقليمي "تركيا"، وكانت تسيطر به على ممرات التجارة والغاز في البحر المتوسط. وكذلك التواجد الروسى فى وسط وجنوب ليبيا، عن طريق  قوات "فيلق أفريقيا" "قوات فاجنر سابقًا"  هو منفذ هام لروسيا للولوج إلى مناطق النزاعات فى أفريقيا وتصدير السلاح الروسى لها ، لكن مشروع الحداد لتوحيد الجيش كان معناه ببساطة إن روسيا أيضًا  تخرج من ليبيا.
مع بروز عامل مهم هنا هو ظهور نشاط  للولايات المتحدة فى ليبيا  ففي خطوة جيو استراتيجية تهدف إلى مزاحمة النفوذ الروسي في المنطقة، أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا " الافريكوم " أن ليبيا ستستضيف مناورات " فلينتلوك 2026 " في مدينة سرت، وبالتالي تكون الرسالة الاستراتيجية من إجراء مناورات مشتركة تضم قوات من الشرق (القيادة العامة) والغرب (حكومة الوحدة) تحت مظلة أمريكية هو اعتراف ضمني بـ " الجيش الوطني - القيادة العامة " كشريكين في مكافحة الإرهاب وسحب البساط من تحت أقدام الروس الذين يصورون أنفسهم كحليف أمني وحيد للشرق ، وبالتالي فغياب الحداد وسياسته وتوجهه  سيدعم استمرار انقسام الشرق والغرب ، وتظل روسيا هي "الحامي" للشرق وحقول النفط ، والمدخل إلى أفريقيا .


3- اسرائيل:  لها مصلحة اساسية فى فك الإرتباط التركى الليبى الذى يمثل عائق كبير أمام مشروع خط انابيب "إيست ميد" (EastMed) الذى من خلاله ستصدر إسرائيل غازها وغاز قبرص لأوروبا من خلال اليونان، وهذا المشروع مُصمم في الأساس لتحقيق مليارات الدولارات لاقتصاد اسرائيل، ويقلل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي .
إذن إختفاء الفريق الحداد من شأنه افشال فكرته فى توحيد الجيش الليبى، وبالتالى تظل ليبيا ضعيفة ومنقسمه، وعدم وجود دولة قوية جديدة تقوم بالإعتراض على مشاريع الطاقة في المتوسط.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء