منع ركوب النساء بجوار السائقين.. حكاية قرار منتصف الليل الذي لم ير الشمس
حالة من الجدل شهدتها وسائل التواصل الاجتماعي في مصر خلال الساعات الأخيرة من مساء الجمعة عقب صدور قرار في محافظة البحيرة يقضي بمنع النساء من الجلوس بجوار السائقين في وسائل المواصلات العامة.
وكانت إدارة المواقف العامة بمحافظة البحيرة قد فاجأت مواطني المحافظة بقرار قرب منتصف ليل الجمعة/ السبت يقضى بمنع ركوب أي فتاة أو سيدة بجانب السائق داخل سيارات الأجرة والسرفيس وأتوبيسات النقل الداخلي والسياحة، مع تطبيق القرار بشكل صارم على جميع الخطوط دون استثناء.
منع ركوب أي فتاة أو سيدة بجانب السائق
وبحسب البيان يأتي ذلك تنفيذًا لتعليمات اللواء أشرف فوزي، مدير المواقف العامة بالبحيرة، وفي إطار حرص المحافظة على الحفاظ على الآداب العامة وسلامة الركاب، وتحقيق الانضباط داخل وسائل النقل، وتوفير بيئة آمنة ومحترمة تليق بجميع المواطنين.
وشددت إدارة المواقف العامة بدمنهور على السائقين بضرورة الالتزام التام بالقرار، مؤكدة أنه سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية الفورية حيال أي مخالفة، والتي قد تشمل توقيع الغرامات أو إيقاف السيارة عن العمل، وفقًا للوائح والقوانين المنظمة.
كما ناشدت الإدارة المواطنين بضرورة التعاون والإبلاغ عن أي مخالفات من خلال إدارة المجمع أو المشرفين الموجودين بالمواقف، وذلك حرصًا على الصالح العام وتحقيق الانضباط داخل منظومة النقل.
غصب نسوي عارم
وأثار القرار حالة من الغضب وخاصة على المستوى النسوي؛ حيث اعتبره الكثير من الناشطات تمييزا سلبيا غير مسبوق تجاه النساء في مصر، محذرين من إمكانية تعميمه في محافظات مصر.
كما اعتبر بعض الناشطات أن القرار يعبر عن وجود خلايا وصفوها بالإخوانية داخل الإدارات المحلية والمحافظات في مصر، ورغبة البعض في العودة بمصر للوراء، وإلغاء مكتسبات كثيرة حققتها المرأة المصرية خلال السنوات الماضية.
إلغاء قرار منع ركوب النساء بجوار السائقين
ولم تمر سوى ساعات الليل القليلة حتى أصدرت محافظة البحيرة قرارًا جديدًا يقضي بإلغاء القرار المثير للجدل معلنة عن التقدير والاحترام لجميع المواطنين على حد سواء، وخاصةً المرأة البحراوية التي تسعى على الحفاظ على كافة حقوقها، وتعزيز تلك الحقوق، وتعظيم دورها في المجتمع.
وقالت محافظة البحيرة، فى بيان لها، اليوم السبت: إيماءً إلى ما تم نشره على صفحة مشروع مجمع مواقف البحيرة بشأن تحديد وتخصيص المقعد المجاور لسائقى الأجرة والسرفيس والنقل الداخلى، تؤكد محافظة البحيرة أننا نكن كل التقدير والاحترام لجميع المواطنين على حد سواء، وخاصة المرأة البحراوية التى نسعى على الحفاظ على كافة حقوقها وتعزيز تلك الحقوق، وتعظيم دورها فى المجتمع.
وأضاف البيان أنه تم إلغاء ما صدر فى هذا الشأن، وأن الهدف الأساسى الذى نسعى إليه هو تحقيق بيئة آمنة ومناسبة للجميع مع التركيز والتأكيد على حقوق كل أفراد المجتمع، وتحقيق الصالح العام. كما أن الالتزام بالآداب العامة والحفاظ على الحقوق الدستورية هو من أساس الأولويات التى تعمل عليها المحافظة.
حالة الجدل لم تتوقف بإلغاء القرار؛ حيث اعتبر البعض أن القرار دليل على قوة اللوبي النسوي في مصر في حين رأه البعض انتصار لدولة القانون والدستور التي تجرم التمييز بين مواطنيها.
انتصار للدستور والقانون
وترى دكتورة دينا المقدم، عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، أن إلغاء القرار لا يعنى تمامًا رضوخًا لضغط أو انتصار لوبي نسائى بقدر ما هو عودة إلى الدستور والقانون والمنطق الإداري السليم.
وقالت في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أنه من الناحية الدستورية فالقرار كان يحمل مخالفة صريحة لمبدأ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليه في المادة (53) من الدستور، والتي تحظر التمييز لأي سبب، ومنها النوع الاجتماعي. فالتمييز في استخدام المرافق العامة أو وسائل النقل دون سند تشريعي واضح يُعد إخلالًا بحقوق المواطنة المتساوية وتجاوزًا لاختصاص السلطة التنفيذية.
كما أشارت إلى أنه من الناحية القانونية لم يكن هناك سند تشريعي أو لائحي يجيز فرض هذا النوع من القيود خصوصًا إذا كان يمس حرية التنقل والكرامة الإنسانية وهما من الحقوق المحمية دستوريًا، لافتة إلى أن القاعدة المستقرة أن القرارات الإدارية يجب أن تُبنى على الضرورة والمشروعية والتناسب وهو ما لم يتحقق في القرار أصلا.
انتصار لفكرة الدولة القانونية
واعتبرت الخبيرة القانونية أن ما جرى يعكس تعبيرًا عن مجتمع يرفض العودة إلى أنماط وصاية اجتماعية تُحمِّل النساء وحدهن عبء مشكلات سلوكية أو تنظيمية أو إدارية يفترض أن تُعالج بسياسات عامة عادلة لا بإقصاء فئة بعينها.
وختمت بقولها: ما حدث ليس انتصار فئة على أخرى بل انتصار لفكرة الدولة القانونية التي تُراجع قراراتها حين تُخطئ، وتُوازن بين النظام العام واحترام الحقوق والحريات دون انحياز ثقافي أو تمييز اجتماعي.