رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منذ آلاف السنين، بدأت الإنسانية رحلتها الطويلة مع المعرفة. تعلّمت الكتابة على جدران الكهوف، وتعلّمت القراءة من النجوم والرمال والرموز، وعاشت قرونًا من الجهل المضيء، حيث كان الاكتشاف يتم ببطء يشبه نمو الجبال.

لكن اليوم، وفي سنوات قليلة، نعلّم أطفالنا ما تعلّمته البشرية في آلاف السنين. وكأن الإنسان يضغط عمر الحضارة في لحظات، ويضغط الماضي والمستقبل في لحظة وعيٍ خاطفة.


اختزال القرون في طفولة

طفل اليوم، في سنواته الأولى، يقرأ ويكتب ويفهم رموزًا لغوية ورقمية كانت تتطلّب قرونًا من التطور الجماعي لفهمها. وهذا يعود ليس فقط إلى تطور التعليم، بل إلى التراكم المعرفي الهائل الذي بات يُغرس في أذهان الأطفال مبكرًا.

العقل البشري لم يتغير جينيًا كثيرًا في بضعة آلاف من السنين، لكن ما تغيّر هو "البيئة المعرفية" التي ينشأ فيها الطفل: الصور، الأصوات، الأجهزة، اللغة، كلها أدوات نقلت الوعي من طور إلى طور، فصار الطفل يولد في "حضارة مركّبة" ويتشرّبها من لحظة وعيه الأولى.


تسارع الوعي وتطور الدماغ

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الدماغ البشري قادر على التكيّف السريع مع المعارف الجديدة، وأن ما يسمى بـ"المرونة العصبية" (Neuroplasticity) تزداد كلما تعرّض الطفل لتحفيز معرفي في بيئة غنية بالتجربة.

هذا لا يعني أن الإنسان أصبح أذكى من أسلافه، بل أن البنية التحتية المعرفية باتت أكثر كثافة، مما أتاح للعقل أن يتقدّم في مسارات لم تكن متاحة من قبل.

التكنولوجيا والتعليم التفاعلي، والشاشات، والذكاء الاصطناعي، كلها أدوات زادت من سرعة الإدراك والربط والتحليل.


دورة الحياة تتسارع

في الماضي، كانت دورة الحياة تُقاس بملايين السنين، ثم صارت آلافًا، فمئات، فعقودًا، ونحن اليوم نشهد انكماش الزمن:

- ما كان يحتاج قرنًا، يحدث في عام.
- وما كان يحتاج عامًا، يحدث في أسبوع.
- وقريبًا، قد نختصر كل ذلك في ساعات أو حتى لحظات من الإدراك.
وهذا ما يجعل الزمن ذاته يبدو كأنه ينهار أمام وعي الإنسان ويتكثف في الحاضر.
من وجهة نظري، فإن تسارع المعرفة ليس مجرد تقدم علمي، بل اقتراب من المصدر الأول للمعرفة الذي هو خالق كل شيء.
الله، في المفهوم الفلسفي، هو المطلق، الكامل، النور، العارف الكلي. وكلما اقترب الإنسان من الفهم العميق للحياة والكون، كلما اقترب من هذا الأصل.


المعرفة ليست مادية فقط، بل نور يُكتسب. وكل لحظة وعي هي لحظة اقتراب من ذلك النور.
الوعي لحظة. واللحظة هي الزمن الحقيقي الوحيد. حين نفهم في ثانية واحدة ما كان يحتاج حياةً كاملة، نكون قد دخلنا في منطقة تتجاوز الزمان والمكان.

كلما ازداد وعي الإنسان، كلما ازداد اقترابه من المطلق، من الإلهي، من النور.

إن مسار الإنسان ليس فقط نحو التقدّم التقني، بل نحو التكامل بين العقل والروح.

وما نراه من تسارع في الإدراك وتكثيف في المعرفة، هو أحد أوجه الرحلة الكبرى نحو المعنى، نحو الحقيقة المطلقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء