ثار جدل طويل حول وجود الأنبياء في مصر القديمة، التي تعرف شعبيًا بزمن الفراعنة، وبالرغم من أن القصص الديني في الكتب السماوية ذكر وجود الأنبياء في مصر بأكثر من موضع باعتبارها ساحة مهمة وحيوية للأحداث التي جرت في عصر عدد من الأنبياء، إلا أنه في المقابل يحتج علماء الآثار والمصريات بأنه لا يوجد دليل مادي واحد على وجود الأنبياء في مصر، وبالطبع غياب الدليل المادي لا ينفي وجودهم، ولكنه لا يؤسس له علميًا.
جاء ذكر مصر في مواضع عدة في الكتب السماوية سواء الكتاب المقدس (العهد القديم) أو القرآن الكريم، وارتبط ذكرها بقصص الأنبياء الذين عاشوا فيها أو مروا عليها أو حضروا إليها أو هربوا منها، وهي قصص تحمل الكثير من العظة والعبرة، بل وتحمل قيمة تفاخرية كبيرة باعتبار أن مصر أرض الأنبياء، ومن هذا المنطلق يصم الكثيرون آذانهم عن غياب الدلائل المادية الملموسة للحياة التي عاشها الأنبياء في مصر القديمة باعتبارها تحصيل حاصل، ولن تقدم أو تؤخر بعد كلمة النصوص الدينية.
نحن إذن أمام معضلة تاريخية، نفتخر ونزهو بوجود الأنبياء على أرض مصر، وبأنها كانت قبلة ومرتكزًا للتوحيد من قديم الأزل، وفي الوقت نفسه لا نستطيع إثبات هذا الأمر ماديًا واعتمادنا كله على النصوص الدينية.
من الأنبياء الذين عاشوا في مصر كما تذكر مراجع عدة وكما تخبرنا الكتب السماوية إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى، وبالطبع عاش فيها السيد المسيح عيسى بن مريم فترة من الزمن، وتحتفل مصر بهذه الفترة عبر إحيائها مسار رحلة العائلة المقدسة.
بعض علماء المصريات والتاريخ والآثار حاولوا إجراء مقاربات تاريخية للوقوف على أدلة مادية تثبت وجود الأنبياء في مصر، مثل القول بأن أوزوريس ليس مجرد أسطورة بل رمز للنبي إدريس، وأن مومياء الوزير يويا هي للنبي يوسف، وأن قصة موسى وهروبه من مصر ثابتة ومتواترة في كل الكتب السماوية. البعض الآخر اختار مناقشة الموضوع بشكل علمي موضوعي بعيدًا عن التحيزات، ومن بينهم الدكتور حسين عبد البصير في كتابه الأحدث "أنبياء الله في مصر القديمة" الذي يقدم من خلاله رؤية موضوعية لهذه الإشكالية تستند إلى علوم الآثار والحفريات وعلم المصريات، فهو يقول عن كتابه الصادر عن مركز إنسان إنه "يسعى إلى تقديم قراءة علمية ودينية متوازنة لعلاقة الأنبياء بمصر القديمة، بعيدًا عن الأسطورة والتهويل والمزاعم الشائعة".
هو إذن يطرح رؤية علمية موثقة ومن المؤكد تستند إلى حجج وبراهين توضح الأمر وتشرح أبعاده، فالكتاب وفقا لما ذكره المؤلف يسعى لتقديم "رؤية هادئة وعميقة تجمع بين قدسية النصوص الدينية ومعطيات التاريخ والآثار، معتمدًا على منهج علمي رصين يحترم الوحي ويستفيد من نتائج البحث الأثري، بهدف إعادة وضع الحدث الديني في سياقه التاريخي والحضاري الصحيح، إلى جانب ذلك فهو يسعى إلى تفكيك الصور النمطية والروايات المثيرة التي شاعت حول حضور الأنبياء في مصر، مقدّمًا بديلًا معرفيًا يوازن بين نور الوحي وضياء العلم".
اطلعت سابقا على الكثير من الدراسات والأبحاث والكتب التي تناولت هذا الجانب من التاريخ المصري القديم، وفي الحقيقة لا أجد مبررًا لمحاولة الربط بين النص الديني المقدس الراسخ في القلوب والوجدان والعقول وبين علمي المصريات والآثار اللذين لهما متطلباتهما المادية التي يصعب سبر أغوارها لعدم التمكن من اكتشاف الغالبية العظمى من آثار مصر القديمة (وفق تصريحات للعديد من علماء الآثار)، فضلا عن عوامل الزمن التي ربما أطاحت بكل أثر يرتبط بوجود النباء في مصر ماديًا، من ثم يصبح وجودهم المعنوي، دينيًا، هو الأكثر ترجيحًا وقبولًا إلى أن تتكشف دلائل مادية تعزز هذا الوجود الوجداني وترسخه.