رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ألف عام من الصمود.. جامع أحمد بن طولون رمز التراث العباسي

جامع أحمد بن طولون
جامع أحمد بن طولون

في قلب القاهرة التاريخية، يقف جامع أحمد بن طولون شاهدًا حيًّا على عبقرية العمارة الإسلامية وبراعة الفن العباسي، محتفظًا بهيبته وتفاصيله المعمارية منذ أكثر من أحد عشر قرنًا.

ولا يزال الجامع، الذي يُعد أقدم مسجد باقٍ في مصر محتفظًا بتخطيطه الأصلي، حتى اليوم مقصدًا للباحثين والزائرين والمصلين، وواحدًا من أهم معالم التراث الإسلامي في العالم.

موقع أثري فريد في قلب القاهرة

يقع جامع أحمد بن طولون في شارع الخضيري بحي السيدة زينب، مشيدًا على ربوة مرتفعة نسبيًا، ما منحه حضورًا بصريًا مميزًا وسط العمران المحيط. ورغم اندثار مدينة القطائع التي أُنشئ الجامع ضمنها، ظل المسجد قائمًا منفردًا، محافظًا على مكانته كأثر معماري خالد.

أسس الجامع القائد أحمد بن طولون، والي مصر ومؤسس الدولة الطولونية، الذي حكم البلاد خلال الفترة من 254هـ إلى 270هـ (868م – 884م). وقد شُيّد الجامع عام 265هـ (879م) ليكون المسجد الجامع لمدينة القطائع، العاصمة الجديدة آنذاك، فكان رمزًا سياسيًا ودينيًا للدولة الناشئة.

يُعد جامع أحمد بن طولون ثاني أقدم مسجد باقٍ في مصر، ومن أوسع المساجد من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحته الكلية نحو 26,318 مترًا مربعًا، شاملة الزيادات المحيطة به. ويتبع الجامع التخطيط المتعامد الشائع في المساجد العباسية الكبرى، حيث يتوسطه صحن مكشوف تحيط به أربعة أروقة.

ويضم رواق القبلة، وهو الأكبر، خمسة صفوف من الأعمدة، بينما تتكون الأروقة الثلاثة الأخرى من صفين فقط. ويحيط بالمسجد من ثلاث جهات فراغ معماري يُعرف بـ«الزيادة»، وهي سمة معمارية نادرة مستوحاة من مساجد العصر العباسي في سامراء.

 

 

تفاصيل معمارية وزخارف نادرة

وفي سياق متصل، شُيّد الجامع باستخدام الطوب الأحمر، وتعلو واجهاته شرفات زخرفية تُعرف باسم «العرائس»، وهي عناصر زخرفية مفرغة ذات طابع فني فريد. كما يضم المسجد 19 بابًا خشبيًا بسيط التصميم، وعددًا كبيرًا من الشبابيك ذات العقود المدببة.

ويُعد رواق القبلة الأكثر ثراءً من حيث الزخارف، إذ يحتوي على محاريب تعود إلى عصور مختلفة؛ طولونية وفاطمية ومملوكية. كما تنتشر الزخارف الجصية على الجدران، وهي من أقدم الزخارف الإسلامية في مصر، وتحمل طابعًا فنيًا متأثرًا بزخارف مدينة سامراء العراقية.

ويحيط بجدران المسجد من الأعلى 128 شباكًا جصيًا مفرغًا، تختلف زخارفها النباتية والهندسية، ويعود أربعة منها فقط إلى عصر ابن طولون، بينما أُضيف الباقي خلال العصور اللاحقة.

ترميمات متعاقبة عبر التاريخ

شهد الجامع عدة مراحل من الترميم، كان أبرزها في العصر المملوكي، حيث قام السلطان حسام الدين لاجين عام 696هـ / 1297م بإنشاء الميضأة الحالية وتجديد أجزاء كبيرة من المسجد. كما شهد الجامع أعمال إصلاح في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ثم في عصر الظاهر برقوق.

وخلال فترات لاحقة، تغيّرت استخدامات الجامع، فاستُخدم مصنعًا للأحرمة، ثم مأوى للعجزة في القرن التاسع عشر، قبل أن تتدخل لجنة حفظ الآثار العربية عام 1882 لإنقاذه، لتبدأ عمليات ترميم واسعة امتدت حتى أوائل القرن العشرين.

في عام 2005، خضع جامع أحمد بن طولون لأعمال ترميم شاملة نفذتها وزارة الثقافة المصرية ضمن مشروع القاهرة التاريخية، بتكلفة تجاوزت 12 مليون جنيه، شملت ترميم الزخارف وإعادة تأهيل المسجد، ليُفتح مجددًا أمام الزوار والمصلين.

 

 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء