رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من أعجب المفارقات في الوجود أن الإنسان يأتي إلى هذه الدنيا مكتمل الإنسانية؛ لا يحمل حقدًا، ولا يعرف غدرًا، ولا يميّز بين قوي وضعيف، ولا بين لونٍ ولون. يولد وفي داخله توازن فطري دقيق بين الحس المادي الذي به يحيا ويتفاعل مع العالم، والحس الروحي والوجداني الذي به يسمو ويرتقي. قلبه صفحة بيضاء، وروحه مرآة صافية، وعلاقته بالحياة تقوم على الاحتياج والبراءة والثقة المطلقة.


هكذا يبدأ الإنسان رحلته قبل أن تبدأ مغامرته الحياتية الطويلة، صورة بسيطة، جميلة، بريئة، خالية من كل إشارات البربرية والبدائية بمفهومها الشائع. غير أن هذه الصورة الأولى لا تلبث أن تتعرض للاهتزاز والتشويه مع دخول الإنسان في منظومات السلطة والمصلحة والصراع؛ حيث تبدأ الإنسانية في التراجع أمام حسابات القوة والمنفعة.


فالبدائية ليست، كما يعتقد البعض، مجرد نقص في أدوات التطور الحديثة أو غياب وسائل التقنية والتكنولوجيا. فلو قرأنا التاريخ بهذه الطريقة، لكانت قراءتنا له قراءة سطحية مادية ذات اتجاه واحد، تُساوي بين التقدم الإنساني والتقدم التقني، وتفترض أن الحداثة نقيضٌ تلقائي للتوحش. لكن الواقع، بعكس ذلك تمامًا، يُثبت أن البدائية والبربرية لم تختفيا مع التطور، بل ازدادتا وانتشرتا جنبًا إلى جنب مع الحداثة والتقدم العلمي والتكنولوجي.


لقد أتاح التطور للبعض القدرة على إبادة مدنٍ كاملة مفعمة بالأبرياء، وهم جالسون في أماكنهم، لا يرون الضحايا ولا يسمعون صرخاتهم. تحولت المسافة بين الفعل ونتيجته إلى شاشة، وبين القاتل والمقتول إلى زرّ. ولعل القلق العالمي المتصاعد تجاه الذكاء الاصطناعي ومخاطره في صناعة الحروب خير دليل على أن التقدم التقني، حين يُفصل عن القيم الأخلاقية، لا يقود إلى تحضّر، بل إلى أشكال أكثر تعقيدًا من التوحش والبربرية.


إننا إذا نظرنا إلى الواقع بعين مجردة، بعيدًا عن التعقيدات النظرية، لأمكننا القول إن البربرية أصبحت، في كثير من الأحيان، نتاجًا طبيعيًا لمسار التطور المنفصل عن الضمير الإنساني. فالتكنولوجيا لا تُنتج الأخلاق، بل قد تُضاعف من غيابها، وربما فقدانها، إن وُضعت في الأيدي الخطأ.
إن الفلاحين في بعض القرى الإفريقية النائية، الذين يفتقدون إلى الحد الأدنى من أدوات التكنولوجيا، هم في كثير من الأحيان أكثر إنسانية وتحضرًا ومدنية من بعض أولئك الذين يمتلكون أحدث وسائل التطور ويستخدمونها في قتل الشعوب البريئة وسحق الضعفاء. فالمعيار الحقيقي للتحضّر ليس ما نملكه من أدوات، بل ما نحمله من قيم.


ويشير أحد الكتّاب الأتراك إلى قبيلة حديثة الاكتشاف في حوض الأمازون، يعيش أفرادها حياة بدائية، ولم يسبق لهم التواصل مع العالم الخارجي، ولا يعرفون شيئًا عن مظاهر الحداثة. حتى إنهم عندما شاهدوا طائرة تحطّ بالقرب منهم، فرّوا منها واختبؤوا بين الأشجار خوفًا ودهشة. غير أن المفارقة المؤلمة، كما يروي الكاتب، أن عدد أفراد هذه القبيلة تناقص بشكل حاد خلال السنوات العشر الأخيرة، بسبب مافيا البحث عن الذهب التي قتلت أعدادًا كبيرة منهم بلا رحمة.


وهنا يطرح الكاتب سؤاله الأخلاقي الصادم: من هو البربري حقًا؟
أهؤلاء الذين لا يعرفون معنى التطور، ويعيشون في انسجام مع الطبيعة؟ أم أولئك الذين يعيشون قلب العصر الحديث، ويتغنّون بقيم الحضارة وحقوق الإنسان، بينما يمارسون القتل باسم التقدم؟
إن أخطر ما في عصرنا الحديث ليس نقص التطور، بل فقدان البوصلة الأخلاقية التي تمنحه معناه، وتكبح جماحه، وتسخره لخدمة الإنسان أيا كان جنسه ولونه ومعتقده والمنطقة الجغرافية التي ينتمي إليها. فالحضارات لا تقوم على المادة فقط بل على القيم الأخلاقية أيضًا، وصدق شاعر النيل حين قال على لسان مصر الحضارة: وأقيموا دولتي على العلم والأخلاق، فالعلم وحده ليس يجدي".
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء