يقول تعالى: }لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ) ﴿٧﴾{ يخبرنا ربنا أن في قصة يوسف واخوته عبر وشواهد وتجارب وعجائب، هى آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ، يعنى هؤلاء الذين يسألون الأسئلة الهامة والتي لابد أن يسألوها، سوف يجدون إجابات لهذه الأسئلة فى هذه القصة الواقعية، الأسئلة التي نتساءلها جميعاً..
ليه يا ربى تعمل في كده من دون العالم دى كلها.. ؟؟
ليه أنا دايماً المظلوم المضطهد.. ؟؟
أشمعنى البلاء ده بالذات اللي ابتليتنى بيه... ومعقوله هاخرج من المحنة دي.. وإيه يعنى الحكمة من الظلم اللی أنا فيه ده.. ؟؟
من يسأل مثل هذه الأسئلة له كل الحق فيها، ولابد أن يبحث عن إجابات عنها، وقد وعدنا ربنا أن إجاباتها الصحيحة ستكون بهذه السورة وهذه القصة. لهذا ذكر ربنا هذه القصة بكل تفاصيلها لما فيها من عبر وعظات وأدلة على قدرة الله تعالى وأقداره وحكمته وجميل صنعه، وعلمنا من خلال القصة صورة أحسن استقبال لأقداره، وشرح لنا حكمته من أقداره، وذلك حتى نقيس عليها الأحداث والأقدار التي تمر بينا.
نبدأ بشرح الظروف التي نشأ فيها سيدنا يوسف، لقد تمتع في صغره بحب أبيه الغامر له، قد يكون لأنه طفل صغير لأب كبير في السن، ولسيدنا يوسف إخوة أكبر منه سناً، في حالة غيرة شديدة من استئثاره بحب أبيهم، فدبروا له مكيدة الخروج به، ثم تركوه في قاع البئر حيث احتمالين: إما أن تمر عليه الأيام بلا أكل ولا شرب ولا إنقاذ، فيموت، أو تمر قافلة تنزل دلوها لإحضار الماء، فيمسك بها سيدنا يوسف، فيخرج من البئر إلى الحياة، وهذا ما حدث وأخذته القافلة لمصر وباعوه لعزيز مصر، ويقال كأنه رئيس الوزراء، أو أحد كبار المسئولين بالبلد.
يقول تعالى: }وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢١﴾{.
قدر ربنا لسيدنا يوسف أن ينتقل من الحرية إلى العبودية، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ..) تحول إلى بضاعة تُباع وتشترى، أول قدر سنقف عنده هو وصف رب العالمين لانتقال سيدنا يوسف سليل الأكرمين من حياة الحرية، حيث أهله ووطنه وأبوه الذى يحبه ويرعاه ويكرمه ويغدق عليه من الحب والحنان والرعاية الكثير، تحول من هذه الحياة الحرة الهانئة، إلى حياة العبودية التى تعنى حرمانه الكامل من وطنه وأهله وأبوه وأخوه، وتعنى الغربة والمهانة والمذلة، تعنى أنه لا رأي له في أي شأن من شؤونه ولاحرية له في اتخاذ أي قرار، وتعنى الطاعة العمياء للسيد، وتعنى عدم وجود أي حقوق له.
لماذا كل هذا الوصف لوضع سيدنا يوسف، حتى تزيد دهشتنا لما نجد رب العالمين يصف هذا الوضع المهين لسيدنا يوسف بأنه تمكين فى الأرض، }وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ{، وكذلك، يعنى بهذه الطريقة، بتحويله من حر إلى عبد، مكنا له في الأرض، والتمكين يعنى القدرة والسلطة والعزة، الإنسان المتمكن عنده سلطة ومال يمكناه من فعل ما يريد، ووضع سيدنا يوسف على العكس من ذلك تماماً، هو أصبح عبداً لا يملك سلطة ولا مالا ولا قدرة على اتخاذ أي قرار، هو ملك لسيده يفعل به ما يشاء، كيف تكون العبودية تمكين!! كيف يأتي التمكين مع العبودية؟؟
شرح لنا ربنا في بقية الآية وقال: }وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ..{
ما معنى تأويل؟ تأويل الكلام: يعنى تفسيره وبيان معناه، وإعطاء معنى لحدث أو قول أو نص لا يبدو فيه المعنى واضحاً لأول وهلة، يعنى محاولة لفهم ما وراء الكلام من معاني، أما معنى أحاديث: فهى جمع حديث، والحديث هو كل ما يُتحدث به من كلام وخبر.
فهذا المقطع من الآية يعني أن ربنا جعل وجوده في قصر العزيز تمكين له، من أجل أن يتعلم فيه تأويل الأحاديث، فما هي نوعية الأحاديث التي يمكن أن تدور في بيت رئيس الوزراء ويمكن لسيدنا يوسف أن يتعلمها؟ يمكننا أن نتصور أن شخصية مثل عزيز مصر حيث كانت مصر أكبر وأعظم حضارة في هذا العصر، يجتمع لديه الوزراء والعلماء والخبراء في كل التخصصات، وأن الأحاديث كانت هي أعلى وأرقى علوم في هذا العصر، ونحن نعلم الحضارة الفرعونية العظيمة، وما كان فيها من تقدم وعلوم لم يتوصل لها حتى علماء عصرنا الحالي. فرب العالمين عز وجل وضع سيدنا يوسف في قصر العزيز ليفتح أمامه فرصة لتعلم أحدث وأعظم علوم عصره التي لم تكن لتتاح له لو ظل ببيت أبيه.
فتعلم بذلك تأويل الأحاديث، أي تعلم العلم، وتعمق فى فهمه إلى درجة أنه أصبح يفهم ما وراء الأخبار والأحداث، وما يجب عليه عمله بناءً عليها، وأحسن طريق لفعل كل ما هو صحيح، مثلما سنرى بعد ذلك.
لكن هنا ملحوظة سنقف عندها، وهي أن معظم كتب التفاسير فسرت تأويل الأحاديث على إنها تفسير الرؤى والمنامات، ولنعلمه من تأويل الأحاديث قالوا معناها ولنعلمه من علم تفسير الرؤى، لذلك سوف أعرض الدلائل التي اعتمدت عليها في تفسير(..وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ..) على إنها العلم الذي تلقاها ببيت العزيز، والدلائل على أنه ليس معناها تفسير الرؤى.