رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمود السعيد يكشف أسوأ ما في تصنيف مؤشرات قياس النزاهة في البحث العلمي

الدكتور محمود السعيد
الدكتور محمود السعيد

في ظل تصاعد النقاش الأكاديمي حول مؤشرات قياس النزاهة في البحث العلمي، يفتح الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة، ملفًا بالغ الحساسية، محللًا مؤشر مخاطر نزاهة البحث العلمي (RI²)، ومقدمًا قراءة نقدية منهجية لأبعاده وحدوده، وذلك في حوار خاص لموقع “إيجبتك”، يضع النقاط فوق الحروف بشأن كيفية التعامل العلمي الرشيد مع مثل هذه المؤشرات.

ما الدافع وراء العودة مجددًا لمناقشة مؤشر مخاطر نزاهة البحث العلمي (RI²)؟


نعم في مقالات سابقة تناولت ما يُعرف بمؤشر مخاطر نزاهة البحث العلمي (RI²)، ولكن أجد نفسي مضطرًا إلى العودة مجددًا لمناقشة هذا الموضوع، بعد صدور تقرير حديث بنتائج هذا المؤشر الذي يقوم بإعداده ونشره باحث في جامعة بيروت بلبنان. يأتي هذا بدافع المسؤولية الأكاديمية، خاصة في ظل ما أحدثه التقرير الصادر حديثا من جدل واسع وانتشار ملحوظ لنتائجه لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي عدد محدود جدا من الدول.

كيف تنظرون إلى هذا المؤشر من حيث النشأة والاعتماد الدولي؟

 في البداية نشير إلى أن هذا المؤشر حديث النشأة، وخضع للتعديل أكثر من مرة خلال فترة زمنية وجيزة، كما أنه غير معروف أو معتمد على المستوى الدولي، ولم يحظ حتى الآن باعتراف رسمي أو تداول واسع من مؤسسات أكاديمية دولية متخصصة في قياس جودة البحث العلمي أو أخلاقياته.

 على أي أبعاد استند المؤشر في نسخته الأولى؟

اعتمد المؤشر في أول نسخة منه على بُعدين فقط في ترتيب الجامعات وتقييم مستوى المخاطر المرتبطة بالنزاهة الأكاديمية. تمثل البعد الأول في النسبة المئوية للأبحاث المنشورة في مجلات أُدرجت لاحقًا ضمن قائمة المجلات المستبعدة من قواعد البيانات العالمية المرموقة، مثل Scopus وWeb of Science، وذلك بدعوى وجود مشكلات تتعلق بالجودة، بهدف قياس مدى انخراط المؤسسات الأكاديمية في النشر بدوريات منخفضة القيمة العلمية.

وما طبيعة البعد الثاني في المؤشر؟

البعد الثاني تمثل في معدل المقالات المسحوبة لكل ألف بحث منشور، وهي الأبحاث التي تم سحبها رسميًا بعد النشر لأسباب متعددة، وفي الغالب يُنظر إلى سحب الأبحاث بوصفه مؤشرًا مباشرًا على وجود إشكاليات تتعلق بأخلاقيات البحث العلمي ومعايير النزاهة الأكاديمية.

كيف يتم احتساب الدرجات وتصنيف الجامعات؟

بناءً على هذين البعدين، يتم احتساب درجة مركبة تمثل متوسطًا حسابيًا تتراوح قيمته بين (0)، والتي تعبّر عن أعلى مستوى للنزاهة، و(1)، التي تمثل أسوأ مستوى لها. وعلى ضوء هذه الدرجة، تُصنّف الجامعات إلى خمس فئات رئيسة، هي: Low Risk (مخاطر منخفضة) باللون الأبيض، Normal Variation (تباين طبيعي) باللون الأخضر، Watch List (قائمة المتابعة) باللون الأصفر، High Risk (مخاطر مرتفعة) باللون البرتقالي، Red Flag (إشارة خطر) باللون الأحمر.

ما أبرز ملاحظاتكم على آلية التصنيف؟

 أسوأ ما في هذا التصنيف، في تقديري، هو آلية العرض القائمة على التلوين، إذ تنطوي على قدر كبير من التشهير والإساءة المؤسسية للجامعات، رغم أن المنهجية المعتمدة في المؤشر لا تمتلك القدرة العلمية الكافية على قياس مفهوم النزاهة الأكاديمية قياسًا دقيقًا وسليمًا.

ماذا أظهرت نتائج التقرير الأول للمؤشر؟

بناءً على البعدين المذكورين، صدر التقرير الأول للمؤشر في صيف العام الماضي، وتم تصنيف عدد من الجامعات في مصر وغيرها من الدول. وفي ذلك الوقت، ظهرت ثلاث جامعات مصرية فقط ضمن الفئة الحمراء، وعدد أكبر قليلًا ضمن الفئة البرتقالية، بينما وقعت الغالبية العظمى من الجامعات في الفئة الصفراء.

ما الذي تغيّر بعد إضافة البعد الثالث؟

بعد نشر التقرير الأول، قرر الباحث القائم على إعداد المؤشر إضافة بُعد ثالث وهو معدل الاستشهادات الذاتية، والذي يُفترض أنه يعكس الاستخدام المفرط للاستشهاد الذاتي من قِبل الباحثين، بهدف زيادة عدد الاستشهادات بأعمالهم، بما قد يؤثر سلبًا في مصداقية البحث العلمي وقيمة الدوريات وتقييماتها.

كيف انعكس ذلك على تصنيف الجامعات المصرية؟

مع إدراج هذا البعد الجديد، ارتفع عدد الجامعات المصرية المصنفة باللون الأحمر من ثلاث جامعات إلى أكثر من عشر جامعات، وهو ما يعكس بوضوح أن هذا البعد الأخير كان العامل الحاسم في إعادة توصيف هذه الجامعات باعتبارها عالية المخاطر وفقًا لمعيار النزاهة الأكاديمية كما يعرّفها واضع المؤشر.

ما تقييمكم المنهجي العام لهذا المؤشر؟

أود التأكيد أولًا على أن النزاهة الأكاديمية هي حجر الزاوية في البحث العلمي الرصين، ويتعين على الجامعات ترسيخ هذا المفهوم وتعزيزه بين جميع منتسبيها. غير أن ذلك لا يعني بحال من الأحوال التسليم بأن مؤشرًا رقميًا واحدًا، يحاول اختزال ظاهرة شديدة التعقيد والتعدد في الأبعاد، يمكن أن يتحول إلى أداة للحكم على الجامعات أو تقييم نزاهتها الأكاديمية بشكل قاطع.

هل يمكن الاستفادة من المؤشر رغم هذه الملاحظات؟

نعم، يمكن الاستفادة من هذا المؤشر بوصفه أداة إنذار مبكر للكشف عن بعض مظاهر الخطر المتعلق بالنزاهة الأكاديمية، مثل الارتفاع غير المبرر في عدد الأبحاث المسحوبة، أو الميل المفرط نحو الاستشهادات الذاتية، ومن ثم يمكن للجامعات أن تضع خططًا تصحيحية لمعالجة هذه الظواهر. وبهذا المعنى المحدود، قد يسهم المؤشر في تحسين الأداء المؤسسي في أحد الجوانب المهمة، وهو جانب النزاهة الأكاديمية.

 أين تكمن الإشكالية المنهجية الجوهرية؟

الإشكالية الجوهرية تكمن في أن المؤشر، من الناحية المنهجية، يحاول قياس ظاهرة مركبة ومعقدة للغاية باستخدام أساليب كمية مبسطة إلى حد مخلّ، وهو ما يؤدي إلى الخلط بين ما هو مقبول علميًا وأخلاقيًا، وبين ما هو مرفوض أو إشكالي.

 كيف تقيمون بُعد الاستشهادات الذاتية؟

البعد المتعلق بالاستشهادات الذاتية، على سبيل المثال، يخلط بوضوح بين الاستخدام المشروع للاستشهاد الذاتي – الناتج عن التراكم الطبيعي للبحث في موضوع محدد داخل نفس المؤسسة أو الفريق البحثي – وبين الاستشهاد الذاتي المفرط الذي يهدف فقط إلى تضخيم المؤشرات الببليومترية. والمؤشر، في صورته الحالية، لا يمتلك القدرة المنهجية أو الإحصائية على التمييز بين هذين المفهومين للاستشهاد الذاتي.

وهل ينطبق الأمر نفسه على سحب الأبحاث؟

الأمر ذاته ينطبق على البعد المتعلق بسحب الأبحاث بعد النشر؛ إذ إن السحب قد يتم لأسباب أخلاقية بالفعل، لكنه قد يتم أيضًا لأسباب إجرائية أو تحريرية، أو نتيجة خلافات بين المؤلفين حول ترتيب الأسماء أو إضافة باحثين، أو لأسباب أخرى لا ترتبط بالضرورة بانتهاك أخلاقيات البحث العلمي. ومع ذلك، يعامل المؤشر جميع حالات السحب معاملة واحدة، دون أي تمييز بين دوافعها أو خلفياتها.

 ماذا عن بُعد الدوريات المستبعدة دوليًا؟

البعد الخاص بالدوريات المستبعدة من قواعد البيانات الدولية يعاني بدوره من قصور واضح؛ إذ يتم تصنيف المقالات بناءً على الوضع الحالي للدورية، دون مراعاة الطبيعة الديناميكية لتقييم الدوريات أو التغيرات التي قد تطرأ على سياساتها التحريرية. كما أن استبعاد الدوريات من Scopus أو Web of Science لا يتم دائمًا لأسباب تتعلق بالجودة العلمية، بل قد يرجع في بعض الحالات إلى أسباب مالية أو إدارية تتعلق بالناشر أو باشتراكات قواعد البيانات نفسها.

ما الخلاصة النهائية لرؤيتكم؟

خلاصة القول، أنه على الرغم من الأهمية الأكاديمية للمؤشر، ونبل الأهداف التي يُفترض أنه يسعى لتحقيقها، فإنه لا يمتلك في صورته الحالية القدرة على قياس مفهوم معقد مثل النزاهة الأكاديمية بهذه الأدوات الكمية المبسطة، التي تُفرغ المفهوم من مضمونه وتحوله بدون قصد إلى أداة للهدم لا للبناء، خاصة في ظل الطريقة الاستعراضية التي تُعرض بها النتائج عبر تصنيفات لونية تُستغل أحيانًا من قِبل هواة الاصطياد في كل المياه، حتى وإن لم تكن عكرة.

 كيف يجب التعامل مع المؤشر في المرحلة الحالية؟

أبعاد المؤشر قد تساعد في الإشارة إلى مناطق خلل محتملة، لكنها لا تمثل دليلًا قاطعًا على سوء السلوك أو غياب النزاهة. كما أن المؤشر لا يزال في مرحلة تجريبية مبكرة، وقد يثبت لاحقًا عدم دقة اختياراته المنهجية كما أشرنا في المقالات السابقة، أو قصور أساليبه الإحصائية والحسابية. ومن ثم، فإن التعامل معه في هذه المرحلة ينبغي أن يكون مصحوبًا بأقصى درجات الحذر.

هل يعكس المؤشر جهود الجامعات المؤسسية؟

المؤشر لا يعكس بأي حال من الأحوال جهود الجامعات المؤسسية في ترسيخ النزاهة الأكاديمية، من حيث وجود لجان أخلاقيات البحث العلمي، أو آليات المساءلة والمحاسبة، أو الإجراءات التأديبية التي تُتخذ بحق من يثبت تورطه في انتهاكات للأمانة العلمية.

ما الرسالة الختامية التي تودون توجيهها؟

نؤكد أن الأمانة العلمية والنزاهة الأكاديمية تمثلان ركنًا أصيلًا لا غنى عنه في العمل الأكاديمي والبحثي، وبدونهما تفقد الجامعات مصداقيتها، وتتراجع الثقة في مخرجاتها البحثية. ومن ثم، فإن قياس مستوى النزاهة في الجامعات يظل أمرًا ضروريًا، شريطة أن يتم ذلك عبر مناهج علمية رصينة قادرة على التمييز بين المقبول والمرفوض، وبين الممارسة السليمة والانتهاك الأخلاقي. وانطلاقًا من ذلك، أدعو الباحثين المصريين إلى التفكير الجاد في بناء مؤشر وطني للنزاهة الأكاديمية، يتجاوز أوجه القصور المنهجية المشار إليها، ويكون هدفه الأساسي إنارة الطريق أمام الجامعات ودعم جهودها الإصلاحية، لا استخدامه كأداة للتصنيف أو الوصم أو التشهير.

يعكس هذا الحوار رؤية أكاديمية نقدية مسؤولة، تؤكد أن النزاهة الأكاديمية لا تُقاس بالألوان أو الأرقام المجردة، بل تُبنى بسياسات مؤسسية راسخة ومنهجيات علمية دقيقة، بما يحفظ للجامعات دورها ومكانتها ومصداقيتها البحثية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء