رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يقترب عمر الكفاح الفلسطيني ضد الصهيونية من مائة عام. قاوم خلالها الفلسطينيون شراهة وشراسة العصابات الدموية التي تسللت إلى فلسطين بعد وعد بلفور. قبلها سعت الحركة الصهيونية منذ القرن التاسع عشر لإقامة وطن في فلسطين، ولكن التنفيذ الفعلي بدأ بعد وعد بلفور وإنشاء الوكالة اليهودية. خلال تلك الفترة المريرة في التاريخ الفلسطيني سعى الإعلام الصهيوني البارع والنافذ في العالم الغربي لتصوير فلسطين على أنها أرض بلا شعب، وأن اليهود شعب بلا أرض، وبالتالي يجوز لهم سكنها وتعميرها. التقت الأهداف اليهودية مع أهداف الاستعمار القديم والجديد، أي أوروبا وأمريكا الذين رأوا أن وجود إسرائيل كحاملة طائرات ذات شعب يبلغ الملايين مدججة بالسلاح والمعونات الغربية سيكون خير وسيلة للسيطرة على المنطقة التي تملك من الثروات الكثير وتسيطر على الممرات الملاحية البحرية التجارية العالمية وتتوسط العالم جغرافيا وهي بشكل عام يسكتها المسلمون، وبهذا يمكن رويدًا رويدًا القضاء على شوكتهم استكمالًا واستمرارًا للحروب الصليبية.


بعد النكبة وهزيمة الجيوش العربية في عام 1948 تشتت الفلسطينيون ولكن في الستينيات من القرن الماضي تأسست منظمة التحرير الفلسطينية. رعاها جمال عبد الناصر وكان نبراسًا لها. قامت المنظمة بتنظيم حركة الكفاح المسلح تطبيقًا لمبدأ "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة" ونجحت في اكتساب شرعية بصفتها حركة مقاومة للاحتلال، وكان ذلك إبان المد العروبي والقومي والثوري. لكن تراجع دور المنظمة بوجود معاهدة كامب ديفيد وتراجع التأييد العربي في ظل وجود أجيال جديدة من الحكام فتغولت إسرائيل على الفلسطينيين وتوغلت في بقية أراضيهم تبتلع بمستوطناتها ما تبقى لهم بدون أي رادع أو مراعاة للقانون الدولي.
انطفأت شعلة المقاومة فيما عدا في قطاع غزة، قاوم بالانتفاضات المتكررة، وقام مؤخرًا في عام 2023 بعملية طوفان الأقصى. ونعلم جميعًا تطورات المسألة، لكني أصل هنا إلى تنقل إسرائيل بين غزة والضفة الغربية تقتل وتدمر البنية الأساسية والمنازل بهدف تهويد الضفة والقدس تمامًا بحلول عام 20250 كحد زمني أقصي، بعدها لن يكون هناك أثر لا للفلسطينيين ولا للمسلمين.


فلماذا لا يقاوم الفلسطينيون في الضفة كما قاوم أشقاؤهم في غزة؟ هل استسلموا؟. 
الفلسطينيين ليسوا أول الشعوب التي احتلت أراضيها وقاومت حتى خرج المحتل واستعاد الشعب أرضه، لنذكر هنا ثلاثة أمثلة تجسد كفاح الشعوب ضد الاحتلال. في إيرلندا، الصراع مع إنجلترا امتد قرابة ثمانية قرون؛ حيث بدأ منذ الغزو النورماني في القرن الثاني عشر، لكن العمل الفدائي المنظم الحديث بدأ فعليًا في أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حرب الاستقلال بين 1919 و1921، لكنها لم تنه الصراع، إذ تلتها حرب أهلية ثم عقود من العنف في أيرلندا الشمالية عرفت بـالاضطرابات، من أواخر الستينيات حتى اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998. أي أننا نتحدث عن أكثر من ثمانين عامًا من المقاومة الحديثة، وعن قرون من الصراع المتقطع.


في فيتنام، المواجهة مع الاستعمار الفرنسي بدأت فعليًا بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، واستمرت حتى هزيمة فرنسا عام 1954. لكن التحرر لم يكتمل، إذ دخلت البلاد مباشرة في صراع جديد مع الولايات المتحدة وحلفائها، انتهى بسقوط سايجون عام 1975. عمليًا، خاض الفيتناميون حربًا متواصلة لما يقارب ثلاثين عامًا، دون توقف حقيقي، مع تضحيات بشرية هائلة ودمار شامل، قبل أن يفرضوا إرادتهم.

أما الجزائر، فالقضية أكثر كثافة زمنية. الاحتلال الفرنسي بدأ عام 1830، والمقاومة لم تتوقف منذ اليوم الأول، لكنها كانت متقطعة وغير مركزية. العمل الفدائي الثوري المنظم انطلق مع ثورة نوفمبر 1954 واستمر حتى الاستقلال عام 1962، أي نحو ثماني سنوات من حرب شرسة. لكن هذه السنوات الثماني كانت ذروة مسار مقاومة امتد أكثر من 130 عامًا، دفع خلالها المجتمع الجزائري ثمنًا ديموجرافيًا واقتصاديًا وثقافيًا هائلًا.


لا نستطيع إطلاق حكم على الفلسطينيين بأنهم استسلموا، أو أنهم لا يقاتلون أو لا يقاومون، فهذا الانطباع في جزء كبير منه انطباع بصري وإعلامي أولي أكثر منه توصيفًا دقيقًا للواقع. فالشعب الفلسطيني، تاريخيًا، لم يتوقف عن المقاومة، لكنه انتقل قسرًا من طور إلى طور، ومن شكل إلى شكل، وكل انتقال كان نتيجة كلفة هائلة لا ترى كاملة من الخارج.

الانتفاضتان، العمل الفدائي، العصيان المدني، المواجهات الفردية، وحتى البقاء نفسه تحت شروط خانقة، كلها أشكال مقاومة، لكنها لا تشبه الصورة التقليدية لحرب الفدائيين.


الضفة الغربية تحديدًا ليست فراغًا يمكن أن تنشأ فيه مقاومة مسلحة تقليدية. هي مساحة مجزأة، مخترقة أمنيًا، محاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية، وتخضع لمنظومة سيطرة معقدة تجعل أي فعل جماعي مكلفًا بشكل فوري. السلطة الفلسطينية، التي ولدت أصلًا كحل انتقالي، تحولت مع الزمن إلى قيد مزدوج، فهي عاجزة عن تحقيق مشروع وطني، وفي الوقت نفسه تمنع الانفجار الشامل؛ لأنها ستكون أول ضحاياه. هذا لا يبرئها، لكنه يفسر لماذا تحولت الضفة إلى ساحة كبح أكثر منها ساحة اشتعال.


أما حرب الفدائيين أو العصابات، فهي ليست قرارًا أخلاقيًا فقط، بل معادلة توازن قوي. هذا النوع من الحروب يحتاج عمقًا جغرافيًا، حاضنة مستمرة، خطوط إمداد، وبيئة إقليمية مساندة، وكل ذلك تآكل أو انقطع. حين تغيب الدولة، وتحاصر التنظيمات، ويجرم أي دعم، يصبح خيار السلاح ليس مستحيلًا فحسب، بل مدمرًا للمجتمع نفسه؛ حيث يدفع المدني الثمن أولًا وبلا سقف.

القدس، في هذا السياق، لم تهود فجأة، بل عبر زحف بطيء ومدروس استغل لحظات الانقسام العربي، وانشغال الإقليم بحروبه الداخلية، وتحول القضية الفلسطينية من مركز الصراع إلى ملف مدار. العالم العربي لم يقف صامتًا لأنه لا يرى الظلم، بل لأنه مأزوم، مجزأ، يخشى الانفجار الداخلي أكثر مما يخشى فقدان القدس، وهي حقيقة قاسية لكنها واقعية. الأنظمة تحسب الكلفة، لا الرمزية، وحين تصبح الكلفة أكبر من القدرة، يستبدل الفعل بالخطاب.
أما العالم الإسلامي، فمشكلته ليست غياب التعاطف، بل غياب الفاعلية. التعاطف بلا أدوات قوة يتحول إلى شعور أخلاقي معلق في الهواء. لا وحدة سياسية، لا مشروع جامع، لا استعداد لتحمل تبعات مواجهة مفتوحة مع نظام دولي يرى في إسرائيل حليفًا لا محتلًا.


عملية طوفان الأقصى كانت كاشفة؛ لأنها كسرت وهم الاستقرار، وأعادت فلسطين إلى مركز المشهد، لكنها في الوقت ذاته رفعت كلفة الفعل في الضفة إلى مستويات غير مسبوقة.

إسرائيل قرأت الرسالة كتهديد وجودي، وردت بمنطق العقاب الجماعي والقبضة الحديدية، ما جعل أي انتفاضة واسعة في الضفة أقرب إلى الانتحار الجماعي منه إلى الفعل الثوري التقليدي. الخوف هنا ليس جبنًا، بل معرفة دقيقة بثمن الدم.

إن الفلسطيني لا يتوقف لأنه لا يريد المقاومة، بل لأنه يقف في مساحة ضيقة بين الإبادة والتهميش، بين فعل قد يرضي الضمير ويفني المجتمع، وصمت يحفظ البقاء ويؤجل الانفجار. التاريخ يقول إن هذا الوضع لا يدوم، لكن لا أحد يستطيع التنبؤ بالشكل الذي سينكسر به، ولا باللحظة التي سيعاد فيها تعريف الممكن.

الشعب العربي في فلسطين يواجه أعتى قوى الاستعمار، نوع غير مسبوق من الاستعمار، فإسرائيل ليست قوات مسلحة بعيدة عن مركزها في بلاد تنتمي إليها، إنما هي نفسها مستقرة على الأرض بقوة الدعم الكبير والسلاح اللامتناهي وصار سكانها يقترب من 15 مليون نسمة وهو عدد كبير لا تسهل مقاومته إلا بحروب نظامية، وهو ما لا يتوافر للفلسطينيين الذين يفتقدون الدعم العربي والإسلامي.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء