في أعماق الوجود، حيث تتراقص الأرواح مع أشباح الذكريات كنجوم في سماء ليلية لا تنتهي، كانت هي يومًا حلمًا رقيقًا، كالندى الذي يلمع على ورقة ورد في فجر مبكر، هشًا يخشى لمسة الريح، بعيدًا كسراب في صحراء الخيال الواسعة. كان ذلك الحلم يتسلل إلى الروح في سكون الليل، يرسم لوحات من نور خافت في ظلمة الوحدة، يهمس بوعود حلوة كعسل النحل البري، ويغري القلب بألوان لم يرها العالم بعد. لكن القدر، ذلك النحات الأعظم، بأصابعه الخفية والحكيمة، نحت من ذلك السراب تمثالًا من حقيقة مطلقة، صلبة كالصخر الذي يتحدى عواصف الزمن، نقية كالماء المتدفق من ينبوع جبلي مقدس. اليوم، أكتب إليها لا بمداد القلم فحسب، بل بدماء القلب النابض، دون أن يجرؤ العقل على التدخل، لأنها سلبت العقل سلابًا كاملاً، كلص يسرق في صمت الليل، وملكت القلب ملكًا أبديًا، كملكة تتربع على عرش من نار ونور، لا ينازعها فيه أحد من خلق الله.
في غيابها القسري، الذي حفره زمن مضى قاسٍ كالسيف الذي يقطع الروابط دون رحمة، يعود حبها إليّ كزائر أزلي، كشبح عاشق يطرق أبواب الروح كل ليلة بإلحاح يفوق الجنون. يمسك بتلابيب الوجود كله، يعبث بالأفكار كالريح الثائرة تعبث بأوراق الخريف المتساقطة في حديقة مهجورة، ويسرق النوم من العيون بلهيب شوق يشتعل كغابة جافة تلتهمها النار في ليلة عاصفة. ذلك الشوق ليس عابرًا كغيمة صيفية، بل هو بحر هائج من العواطف، أمواجه تضرب الصخر وتحطمه، تغرق الجسد في أعماقها، وتجعل الروح تتقلب كسفينة في عاصفة لا ترحم. كل ليلة، يتجدد الزيارة كطقس مقدس، كأن الحب رفض الموت رفضًا باتًا، وأبى أن يُدفن في قبور النسيان الباردة، بل يبعث من رماده كطائر العنقاء الأسطوري، أقوى، أشد لهيبًا، أكثر إشراقًا في ظلام الفراق.
ينبض القلب فجأة بخفقان عنيف، كطائر بري محبوس يضرب جناحيه على قضبان قفص من حديد، يصرخ مطالبًا بالحرية المستحيلة: “هيا، تحرك! قم، افعل شيئًا يشفي الغليل!” يناديني صوت داخلي عميق، صوت العاشق المفتون الذي فقد صوابه في بحر عشقها: “حبيبتك غائبة اليوم، قريبة في كل ذرة هواء أتنفسه، في كل نبضة دم تجري في عروقي، بعيدة في الجسد كنجمة لامعة في سماء لا تُدرك باليد. سكونك هذا يجعلك شريدًا، تائهًا في متاهات الذكرى الملتوية، ونار الشوق في صدرك قادرة على إذابة أصلب الحديد، تحويل الجبال الشامخة إلى رماد متناثر، وإحراق الكون لو أتيح لها.” كيف أقاوم هذا النداء الذي يأتي من أعماقي؟ كيف أبقى ساكنًا والنار تلتهم الأحشاء ببطء مؤلم، والقلب يئن تحت وطأة الفراق كجبل يئن تحت ثقل الثلج الأبدي؟ إنه صراع أزلي بين الصبر الذي يبني الجسور، والجنون الذي يحرقها، بين الرجاء الذي ينبت كزهرة في الصخر، واليأس الذي يقتلعها.
أفلا يحق للعيون أن تبكي، أن تذرف الدمع كالأنهار الجارية في الوديان الخضراء بعد عاصفة مطيرة؟ أفلا يُرخص للدموع أن تروي هذه النار المتأججة في الصدر، وتبرد اللهيب الذي يحرق الروح حرقًا بطيئًا؟ أذرف الدمع سخيًا، أنهارًا لا تنتهي، في سكون الليل وفي ضجيج النهار، دموع تحمل في طياتها كل الألم المكبوت، كل الذكريات التي ترفض الرحيل كأشجار قديمة متجذرة في تربة القلب. نار تلك الدموع أشد حرقًا من نار الشوق في أحيان كثيرة، فهي لا تحرق الجسد الزائل فحسب، بل تحرق الروح الخالدة، ولو طال قطرة منها محبي العالم كلهم، لأحرقتهم بنار حب لا يعرف الرحمة، نار تنقي وتدمر في آن واحد.
سيدتي، أشتاق إليكِ شوقًا يفوق حدود الوصف البشري، شوقًا يملأ الكون الفسيح ويضيق بالصدر الضعيف، شوقًا كالجبال الشاهقة لا يُقاس، ولا أجد له سبيلاً يشفي الغليل أو يخفف من حدة الألم الذي يعصف بي. تملكني حبك إلى حد الجنون الأقصى، فغيرتِ موازين الحياة كلها، قلبيًا وقلبًا وروحًا. كنت يومًا القوي المتغطرس، القاتل في ساحات العواطف الدامية، أقتل القلوب وأجرحها دون تردد أو رحمة، لكنني اليوم القتيل، المذبوح على مذبح حبك الطاهر، أسيرًا سعيدًا في أغلالك الذهبية، لا أريد الفكاك أبدًا، بل أرغب في المزيد من الأسر، المزيد من العبودية الطوعية لهذا الحب الإلهي.
أقسم بالله العظيم الذي خلق القلوب ويعلم خفاياها، وحقك عليّ الذي هو أغلى من الحياة الزائلة وأعز من النفس، وحق من أهداني هذا الحب السماوي، الذي فجر في قلبي ينابيع الشوق والعشق إليكِ كأنه نهر من نور… لو أهداني الرب حورية من حور الجنة الأعلى، نزلت من السماء بكل بهائها الخالد وجمالها الذي لا يوصف، ملكة الجمال في عالم الخلود الأبدي، ولو نزع من عينيّ اللون والضياء، فأصبحت أعمى في عالم الظلام الأبدي لا أرى سوى الفراغ، لظل اسمكِ أرق وأعذب الأسماء على لساني، يتردد كنشيد مقدس في صمتي، كدعاء يرفعه العاشق إلى السماء. تبقين أنتِ الحبيبة الغالية، الوحيدة التي لا تنافس، مهما بلغ الجمال من الكمال الإلهي والإتقان الرباني.
طوق الكبرياء ينحني خجلاً أمام عظمتك، يخجل من نفسه أمام رقة حضورك. الورد الأحمر المتفتح يغار من عبيرك الذي يفوح كمسك الجنة في ليلة قمرية، يشعر بالدونية أمام عطرك الذي يملأ الكون برائحة الخلود. والشمس نفسها، تلك الملكة السماوية، تشرق من أسارير وجهكِ المنير، من ابتسامة تضيء الدنيا كفجر جديد، تملأ حياتي بفل وياسمين وزهر اللوتس النادر، تحول الصحراء القاحلة إلى حدائق غناء تفيض بالأنهار، والأيام الرمادية الباردة إلى أعياد مليئة بالألوان الزاهية والفرح الغامر.
إنها حبيبتي، روحي التي تسكن جسدي الزائل، نبضي الذي يحييني في عالم الموتى، أملي الوحيد في البقاء وسط عواصف الزمن القاسية التي تهدم كل شيء. هي عمر ثانٍ منحتني إياه كهدية إلهية، سر مقدس يحميني من الفناء والتلاشي الأبدي كشجرة حياة في جنة مخفية. هي موسيقى الروح التي تعزف في أعماقي ألحان الحب الخالدة، أنغام تلامس السماء وتهز الأرض، ظل وراق كثيف يحميني من حر الدنيا ولظاها، واحة خضراء غناء في صحراء الوحدة والاغتراب الطويل، حيث تتدفق الأنهار الصافية، وتزقزق الطيور أجمل الألحان، وتزهر الزهور أبد الدهر.
إنها أميرتي المدللة، سيدة النساء جميعهن منذ الأزل إلى الأبد، ملكة لا تضاهى في الجمال والرقة والعذوبة والكمال. لا تقارن بأحد، فهي الفريدة النادرة، الجوهرة الثمينة التي لا تُثمن، اللؤلؤة المخفية في أعماق البحار.
منها وإليها… هذه الكلمات تنبثق من أعماق دفاتري القديمة، تلك الصفحات الصفراء العتيقة التي تحمل رائحة الزمن والحنين والألم الحلو، مليئة بأسرار الحب والشوق والانتظار. تنتظر يوم اللقاء الموعود، سواء كان قريبًا كغدٍ مشرق يطل من الأفق، أو بعيدًا كنجم لامع في سماء لا تنتهي. فالحب الحقيقي، ذلك السر الإلهي، لا يعرف حدود الزمن الزائل، ولا يخاف الانتظار الطويل الذي يبني الجسور بين القلوب. يبقى حيًا، نابضًا، مشتعلًا كشعلة أبدية لا تنطفئ، إلى أن يجمع القدر بين القلوب المشتاقة مرة أخرى، في لقاء يمحو كل آثار الفراق، ويبدأ عهدًا جديدًا من السعادة الخالدة، حيث يذوب الزمن، ويبقى الحب وحده ملكًا على الكون.