رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الثورات فقط بما تغيّره من نظمٍ سياسية أو هياكل اجتماعية، بل بما تخلّفه في الوجدان، وما تزرعه في الذاكرة من أصواتٍ لا تخفت. ومن هذا المنظور، تمثل ثورة يوليو 1952 واحدة من أكثر اللحظات كثافةً في التاريخ المصري الحديث، لا لأنها غيّرت وجه الدولة فحسب، بل لأنها أعادت صياغة العلاقة بين الصوت والسلطة، بين الموسيقى والوطن، بين الحلم الجماعي ومخيلته السمعية.


واستكمالاً لتحليلنا في الورقة البحثية The Walls Remember Their Faces، التي تتبعنا فيها الذاكرة الصوتية للثورة من الميدان إلى الجدران، ننتقل هنا إلى تلك اللحظة المفصلية التي انتقل فيها الصوت من خانة المقاومة إلى فضاء البناء، ومن الهتاف العفوي إلى السيمفونية المخططة. ففي حين أن ثورة 1919 أنجبت “موسيقى المقاومة”، وثورة يناير 2011 أطلقت “موسيقى الميدان”، فإن ثورة يوليو أبدعت ما يمكن تسميته بحق “موسيقى الدولة”.


لم يكن هذا التحول مجرد اختلاف في الكلمات أو الألحان، بل كان تحولاً بنيوياً في الوجدان الجمعي نفسه. فالدولة الجديدة أدركت، بوعيٍ مبكر، أن بناء المصانع والسدود لا يكتمل من دون بناء المعنى، وأن تعبئة الجماهير لا تتم بالسلاح وحده، بل بالصوت الذي يمنح التضحية معناها، والعمل اليومي قدسيته، والمستقبل صورته الممكنة.
هنا يبرز دور محمد عبد الوهاب، لا كمطرب وملحن، بل كمهندس للذاكرة الرسمية. لم يكن يقدّم أناشيد عابرة، بل كان يشارك في صياغة الأسطورة التأسيسية للدولة الحديثة. صوته، وألحانه، أصبحت جزءاً من الذاكرة التي أرادت الدولة أن تزرعها في أذن كل مواطن: مصر القوية، الواثقة، الساعية إلى مكانها بين الأمم.


وإلى جواره، تشكّل ما يمكن تسميته “الثالوث الصوتي” للمشروع الناصري: عبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب. لم يكن هذا الثالوث مجرد نجومية فنية، بل بنية تحتية صوتية كاملة لمشروع سياسي وثقافي.


عبد الحليم حافظ كان صوت الحلم الثوري، صوت الشاب الذي يؤمن أن الغد أفضل، وأن التعب اليومي طريق إلى الكرامة. حتى أغانيه العاطفية، مثل “على قد الشوق” أو “صافينى مرة”، كانت مشبعة بروح جماعية؛ حبٌ يتجاوز الفرد ليشمل جيلاً كاملاً يحلم بمستقبل مختلف.

 وعندما غنّى للوطن، كما في “حكاية شعب” أو “صورة”، تحوّل صوته إلى سجل حيّ لمشاعر أمة تبني نفسها وهي تغنّي.


أما أم كلثوم، فكانت الذاكرة المتصالحة، الجسر العميق بين مصر التراث ومصر المشروع. بصوتها، التقت القصيدة العربية الكلاسيكية مع اللحظة الثورية الحديثة. وعندما صدحت بـ“والله زمان يا سلاحي” في لحظة العدوان الثلاثي عام 1956، لم تكن تغنّي فقط، بل كانت توحّد شعباً كاملاً حول معنى الصمود. كان صوتها طقساً وطنياً، ومجلساً جامعاً، وملاذاً نفسياً في زمن الخطر.

 


ومع عبد الوهاب، اكتمل المشهد: صوت الدولة الرسمي، ولكن بلا خشونة الشعارات. أغانيه الوطنية جسّدت الرؤية الرسمية، نعم، لكنها فعلت ذلك بلغة فنية راقية، تجمع بين الأصالة والتحديث، بين الإيقاع العسكري والروح الرومانسية، بين الانضباط والحلم.


الفارق الجوهري بين موسيقى يوليو وموسيقى يناير 2011 يكمن في طبيعة الإنتاج نفسها. فإذا كانت موسيقى 2011 وليدة الميدان، تلقائية، فوضوية، متعددة الأصوات، فإن موسيقى الخمسينيات والستينيات كانت موسيقى مخططة، مؤسسية، تُبث عبر الإذاعة المصرية – ذلك الجهاز الثقافي الهائل الذي تحوّل إلى أداة مركزية في تشكيل الوجدان الوطني. ومن التعددية الصاخبة في 2011، انتقلنا في يوليو إلى مركزية صوتية، حيث أصبح عدد محدود من الفنانين “سفراء صوتيين” للدولة.


لكن هذه المركزية لم تكن خالية من التوتر. ففي لحظات الانتصار، كما في تأميم قناة السويس وبناء السد العالي، رسمت الموسيقى ملاحم بطولية، وثبّتت هذه اللحظات في الذاكرة الجمعية كنقاط ضوء لا تُنسى. وفي لحظات الانكسار، خصوصاً بعد هزيمة 1967، تحوّلت الموسيقى إلى أداة للعلاج الجماعي. أغنيات مثل “عدى النهار” لعبد الحليم لم تُخفِ الألم، لكنها أعادت صياغته، وحوّلته إلى وعد بالاستمرار.
ويبلغ الدور التعبوي للموسيقى ذروته في حرب أكتوبر 1973، حين استعادت مصر ثقتها بنفسها، وتحول النصر العسكري إلى طاقة معنوية شاملة. لم تكن الأغنية الوطنية في تلك اللحظة مجرد احتفال، بل كانت شريكاً في المعركة، ترفع الروح المعنوية، وتوحّد الصف، وتؤكد أن الصوت المصري قادر دائماً على النهوض بعد الانكسار. فصدحت «بسم الله الله أكبر» من ألحان بليغ حمدي كنداء جماعي يرافق العبور، وقدّمت شريفة فاضل في «أم البطل» صورة خالدة للتضحية والفداء، بينما جسّدت اغنية  شهر زاد «سمّينا وعدّينا» نشوة الانتصار وكسر الهزيمة. وفي يا حبيبتي يا مصر  عبّرت شادية عن العلاقة الحميمة بين الوطن وأبنائه، في حين كسرت سعاد حسني في  دولا مين  هيبة العدو بالسخرية والثقة. وإلى جانبها جاءت أغنيات مثل  رايحين شايلين في إيدنا سلاح  وعبرنا الهزيمة»** لتخلّد المعركة وتضحيات الجنود، مؤكدة أن أكتوبر لم يكن نصراً عسكرياً فحسب، بل انتصاراً للوجدان الوطني بأكمله.


هكذا، إذا كانت “الزمانية الثورية” في يناير 2011 زمناً مكثفاً، خاطفاً، فإن الزمانية في حقبة يوليو وأكتوبر كانت زمناً طويلاً للبناء، للتراكم، ولصناعة أسطورة الدولة. موسيقى تلك الحقبة لم تُسجّل لحظة عابرة، بل صاغت سردية كاملة عن الوطن، عن المعنى، وعن الدور التاريخي لمصر.
واليوم، حين نستمع إلى هذه الأغاني، لا نسمع مجرد ألحان قديمة، بل نسمع تاريخاً كاملاً يُروى بالصوت. نسمع كيف انتقلت الموسيقى في مصر من مقاومة الاحتلال، إلى بناء الدولة، إلى استعادة الكرامة، ثم إلى عودة صوت الشارع مرة أخرى. من سيد درويش إلى أم كلثوم، من عبد الحليم إلى أصوات الميادين الحديثة، تظل الموسيقى الشاهد الأكثر صدقاً على أحلام المصريين، وانتصاراتهم، وانكساراتهم، وأملهم الدائم في غدٍ يستحق أن يُغنّى.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء