رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حينما تداولت الأقوال الاحتفائية من بعض الباحثين بالاعتداد الريادي لظاهرة «هدى درويش»، ولدت 1964م، كعلامة بارزة في تاريخ علم «الدين المقارن»، لم يقتصر ذلك على انتمائها «النسوي» وحسب، بل لأنها تعدت إلى تنافسات الخير من النوابغ، مثلها كمثل «نساء» أُخريات –قديمًا وحديثًا– نافسن رجالات الفكر الإسلامي بإسهاماتهن الراسخة.     

 

فلقد خلد تاريخ الفكر الإسلامي نساءًا أفذاذًا أثبتن حضورهن في سجلات العلماء الشوامخ، فمثالًا، خلد التاريخ فعل «كريمة المروزية» راوية البخاري، وأثبت لها دورها الأكثر إشراقًا في علو كعب سند نسختها الأثيرة لصحيح البخاري، التي حظيت بقبول وتقدير من جمهور العلماء، ومنهم: الحافظ «ابن كثير»، والحافظ «ابن حجر»، حتى صار اسمها مقترنًا بصحيح البخاري تلازمًا، فلا يعجبَنَّ متعجب إذن من صداح التبجيل والاعتزاز والتقدير لها بذكرهم: «نسخة كريمة» أو «رواية كريمة للصحيح»، كما في «فتح الباري» وغيره.

وفي العصر الحديث، فقد اشتهرت «عائشة عبد الرحمن» أو «بنت الشاطئ»  في أستاذية التفسير والدراسات العليا، وأثبتت ريادتها في خلق مدرسة نقدية بالمغرب العربي، وساهمت في تخريج أجيال المفكرين من تسع دول عربية مختلفة، فاستحقت أن تكون ثاني امرأة تكتب عمودًا أسبوعيًّا في «جريدة الأهرام»، بعد «مي زيادة».


لكن الثغرة المعرفية التي أسندها الزمان إلى «هدى درويش»، إنما هي ثغرة «وعرة» لا ينتبه كثير من خاصة الباحثين، بكونها تسكن منطقة «المقولات الكبرى» للدين، وكذا للحاجة المعاصرة الماسة باعتباره عملًا «مقارنًا» يتسم بالديمومة، بفعل «حركية» الأفكار التي تحتاج إلى «معايرة» مستمرة باستخدام ذاك الحقل الشائك من العلوم.


وتنبع أهمية علم «الدين المقارن» في اتخاذه الأديان بصفة عامة -كتابية ووضعية– موضوعاً للدراسة العلمية بمناهج موضوعية، تسعى إلى التعرّف على القواسم المشتركة لدى الديانات المختلفة، بما يساعد على حسن «التعايش» وتكريس كل سبل «القبول» لما يسمى «الآخر»، على أرضية المصلحة المشتركة السلمية. 

وربما لا يندرج علم «الدين المقارن» تحت ما يسمى بـ«التاريخ القديم» الذي لا يبحث في الأنبياء إلا بمنهجية علم «الأركيولوجيا» في اعتنائه بالكشف «المادي» عن مخلفات الماضي التي تعكس تطور الحياة البشرية، لكن النسق الإسلامي ثنائي توازني بين الروح والجسد، فلا الإسلام دين عقلاني صرف، نفعي يفتقد الجانب الروحي ويركز على الحياة الدنيا فقط، ولا هو دين غيبي روحي يهمل الحياة الدنيا وعمران الأرض.. وهنا المعضل، لأن علم «الدين المقارن» عند المستجدات إنما يعنى بالمقارنة المعيارية للمقولات المستحدثة بمرجعية النسق الإسلامي التوحيدي القائم على «العدل» كقيمة قطب في الإسلام، وعلى «الإحسان» و«إيتاء ذي القربي».. الخ. 

 

والمتتبع لفعل «هدى درويش» النقدي في أعمالها، لن يسعه ضيق الأفق في استيعاب دورها الرائد في التصدي للأفكار القديمة التي ترتدي رداءات مستحدثة، وكذا لتصديها لحداثات الأفكار، بطرحها على الفعل «المقارن» بما يفرز المشتركات ويجنب المتعارضات، مستخدمة في ذلك كثيرًا من الحقول المعرفية المتداخلة؛ وهو عمل لو تعلمون عظيم!!


فمثالًا: قامت «هدى درويش» بكتابها «الحوار والعيش المشترك بين أتباع الديانات» –من تقديم الشيخ «علي جمعة والقس ثروت قادس»- بفعل نقدي مقارن، بمشرط جراح دقيق، بالإشارة إلى مشتركات تصلح للعيش المشترك بين «أتباع» الديانات عامة، وبين «أتباع» النسخ الإبراهيمية خاصة، فلم تنحز الكاتبة إلى اتخاذ ثوابت العقيدة طريقًا للحوار، وإنما انحازت إلى الحوار في المشترك الديني فقط، الذي يحقق التآلف والتواصل، كحوار يقبل التعددية داخل المجتمع الواحد، ويقبل الاختلاف من حيث الجنس والنوع والعرق والشكل. 

 

وفي كتابها «نبي الله إدريس.. بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام» قامت بعمل نقدي مقارن متكامل، حيث خاضت غمار بحر معرفي لم يُطرق كثيرًا برؤية منهجية تنفي الوثنية المطلقة عن قدماء المصريين.
وفي كتابها «الجذور الدينية للصراع السياسي في إسرائيل» استطاعت اجتهادًا مقاربة التمييز بين ما هو «ديني» وما هو «سياسي» بمنهجية عالية الإدراك لعلوم إنسانية شتى، وتسعى تلك المنهجية إلى استنفار جهود وعلماء الأديان والسياسة والاجتماع معًا لتحرير الدين من التوظيف السياسي الانتهازي له، وفي نفس الوقت للإفادة من المخزون القيمي والأخلاقي الكامن في الأديان في ضبط الممارسة السياسية.

وفي كتابها «حقيقة يهود الدونمة»، قرأت الإشكال من خلال وثائق جديدة، أتيحت بمنهجية تاريخية تسمح لقراءة مضامينها وفق سردية محكمة، جعلت منهم نموذجًا لجماعة «هجينية»، مزدوجة الثقافة، ثنائية الهوية، وربما تكرر الأمر بحقائق أخرى جديدة بكتابها «أسرار اليهود المتخفين.. الوجه الحقيقي والهوية المزدوجة».


وفي كتابها «موسوعة الصلاة في الديانات السماوية والعقائد الوضعية»، وكذا كتاب «الحجاب في الأديان»، خلصت إلى خصوصية بعض المفاهيم الإسلامية من منظور تداولي مقارن في سياق عالمي، وقد أثنى شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي على الكتابين.  

فعند الاكتفاء بما سبق تمثيلًا، فقد بدا ذاك الرسوخ العلمي لموسوعات حالة «هدى درويش» المعرفية في ارتكانها إلى العديد من الحقول المعرفية للفرز والتجنيب وكذا الحياد مع مقولات نسخ الملل والنحل المختلفة كما في الأمثلة السابقة.

 

لكن الظن الغالب يشير إلى أن مشروع «هدى درويش» مازال قوسه الأيسر مفتوحاً، في انتظار مزيد من الضخ المعرفي لتلك التيمة البحثية، التي قدرها رجالات «جامعة الأزهر» في الاستعانة بها كأول أستاذة تناقش رسائل علمية للبنين بالأزهر، وكذا اختيارها ضمن أفضل مائة شخصية عربية مؤثرة في مجال التسامح 2019، كذا تقدير رئيس دولة فلسطين «أبو مازن» لأعمالها ومؤلفاتها، ولتأسيسها ورئاستها «مركز الدراسات الإسرائيلية» بجامعة الزقازيق، وغير ذلك من التكريمات الكثيرة.. ربما !!

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء