ذكرى ميلاد السادات.. قائد خرج من المنوفية وقاد مصر إلى النصر والسلام
تحل اليوم ذكرى ميلاد قائد عظيم وهو الراحل الشهيد البطل محمد أنور السادات، الذي ولد في 25 ديسمبر عام 1918 بقرية ميت أبو الكوم التابعة لمركز تلا بمحافظة المنوفية، لنحتفل بمرور 107 أعوام على ميلاد أحد أبرز القادة في تاريخ مصر الحديث، ورجل ترك بصمته الواضحة في مسار السياسة والحرب والسلام على المستويين الإقليمي والدولي.
واستطاع السادات أن يحفر اسمه في سجل الشخصيات المؤثرة في القرن العشرين، ليس في مصر فقط، بل في العالم كله، بعدما جمع بين شجاعة القرار العسكري وجرأة المبادرة السياسية، ليصبح بحق «رجل الحرب والسلام».
نشأة ريفية صنعت قائدا عظيما
نشأ محمد أنور السادات داخل أسرة مصرية بسيطة بقرية ميت أبو الكوم، على بعد نحو 80 كيلومترًا شمال القاهرة، وتربى على قيم الصدق والصبر والكرامة والانتماء، وتعلم منذ طفولته أن الغنى الحقيقي يكمن في المبادئ والقيم، وكانت البيئة الريفية حاضنة لتكوين شخصيته الصلبة، التي اتسمت بالإصرار والشجاعة والبساطة وتعلم السادات في كُتّاب القرية، واستقى من أجوائها الريفية ملامح الشخصية التي قادته لاحقًا ليكون واحدًا من أبرز قادة مصر في العصر الحديث.
من الكلية الحربية إلى قيادة الدولة
التحق السادات بالكلية الحربية عام 1936، وتخرج فيها عام 1938 برتبة ملازم ثانٍ، وبدأ مسيرته العسكرية بمدينة منقباد جنوب مصر، قبل أن يتعرض للاعتقال في 6 يناير عام 1946 على خلفية اتهامه بالمشاركة في اغتيال أمين عثمان وزير المالية، ويحصل على حكم بالبراءة عام 1948.
وعاد إلى الخدمة العسكرية عام 1950، ثم انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار عام 1951، وكان أحد المشاركين في ثورة 23 يوليو 1952، حيث ألقى بيان الثورة، وبدأ بعدها في التدرج بالمناصب السياسية.
وانتخب رئيسًا لمجلس الأمة الاتحادي عام 1960، ثم رئيسًا لمجلس التضامن الأفروآسيوي عام 1961، واختاره الرئيس جمال عبد الناصر نائبًا له، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية عقب وفاته، ويتم انتخابه رئيسًا لمصر بعد الاستفتاء الشعبي في 17 أكتوبر عام 1970.
حرب أكتوبر.. قرار غير التاريخ
تميز الرئيس الراحل محمد أنور السادات بجرأة القرار ودهاء سياسي لافت، تجلّى في اتخاذه خطوات حاسمة غيّرت مسار الدولة المصرية، من بينها «ثورة التصحيح» التي أنهت نفوذ مراكز القوى وخصومه السياسيين، وأعادت ترتيب المشهد السياسي داخل البلاد.
وقاد السادات التحضيرات الاستراتيجية لاستعادة سيناء عقب هزيمة 1967، معتمدًا على خطة الخداع الاستراتيجي خلال الفترة من 1970 إلى 1973، حيث أعلن أكثر من مرة قرب اتخاذ قرار الحرب ثم تراجع، ما أفقد العدو الثقة في التقديرات المصرية، حتى جاء القرار الحاسم في السادس من أكتوبر عام 1973.
وفي ذلك اليوم، عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، ونجحت في تدمير خط بارليف المنيع، محققة نصرًا عسكريًا تاريخيًا أعاد لمصر والأمة العربية كرامتها وثقتها في قدرتها على الانتصار.
النصر والسلام
لم يتوقف دور السادات عند حدود النصر العسكري، بل استكمله بمعركة دبلوماسية قادها بنفسه، انتهت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، ثم توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، ليصبح أول زعيم عربي يوقّع اتفاق سلام مع إسرائيل.
ورغم الجدل الواسع الذي أثاره هذا القرار، ظل السادات متمسكًا بخياره، مؤكدًا أن السلام لا يقل شجاعة عن الحرب، وأن الشعب وحده هو صاحب قرار الحرب والسلام، وفي عام 1978، تُوِّجت جهوده بحصوله على جائزة نوبل للسلام، ليصبح أول رئيس عربي ينال هذه الجائزة العالمية.د
إنجازات داخلية ومرحلة جديدة
وفي إطار استكمال مسيرة البناء بعد الحرب، أعاد الرئيس الراحل افتتاح قناة السويس أمام الملاحة العالمية في الخامس من يونيو عام 1975، بعد توقف دام سنوات، كما أطلق منطقة بورسعيد الحرة، في خطوة مهدت لبداية مرحلة الانفتاح الاقتصادي، بحسب تقرير لبرنامج «صباح الخير يا مصر».
السادات الكاتب
ولم يكن الرئيس الراحل محمد أنور السادات رجل سياسة وحرب فقط، بل كان كاتبًا ومفكرًا مبدعًا، عبّر عن تجربته الوطنية والإنسانية بقلمه، حيث ألّف نحو 10 كتب تناولت مسيرته السياسية، وثورة 23 يوليو، وتجربته في السجن، وعلاقته بالزعيم جمال عبد الناصر.
ومن أبرز مؤلفاته: البحث عن الذات الذي قدّم فيه سيرته الذاتية، و30 شهرًا في السجن، ويا ولدي هذا عم الجمال، وقصة الثورة، وصفحات مجهولة، والتي شكّلت معًا شهادات تاريخية مهمة على واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ مصر الحديث.
الجذور والنهاية
ورغم مسؤوليات الرئاسة، لم ينسَ السادات جذوره، فكان دائم العودة إلى قريته ميت أبو الكوم، يجلس مع أهلها ويستمع إلى مشكلاتهم، وبقي بيت مولده شاهدًا على بساطته، بعدما تحوّل إلى متحف ومزار وطني يضم مقتنياته وصوره النادرة.
واختتمت مسيرته التاريخية في السادس من أكتوبر عام 1981، عندما اغتيل أثناء احتفاله بذكرى نصر أكتوبر، ورغم رحيله، يظل إرثه الوطني والدولي شاهدًا على قيادته الفذة ودوره المحوري في تاريخ مصر الحديث.