رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أدخلت الحرب الروسية الأوكرانية منذ 2022 أوروبا في اختبار وجودي غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، وأظهرت الكثير من نقاط الضعف الاستراتيجية التي كانت مخفية تحت مظاهر القوة.

 

التداعيات على أوروبا بدأت من أول لحظة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل تتعداها إلى السياسة والاقتصاد والطاقة والاجتماع، استطاعت روسيا أن تفرض واقعًا جديدًا في اللعبة الدولية من خلال استخدام القوة العسكرية التقليدية جنبًا إلى جنب مع أدوات التخريب غير التقليدية مثل الحرب الهجينة، الهجمات الإلكترونية، المعلوماتية، والضغوط الاقتصادية ومحاولات تقويض التماسك بين دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

 

التقارير والأوراق البحثية تؤكد أن موسكو لا تكتفي بالحرب على أوكرانيا وحدها، بل تعمل على استهداف البنية التحتية الحيوية لكل دولة أوروبية على حدة، وتستفيد من الانقسامات الداخلية لتقويض الاستجابة الموحدة للقارة الأوروبية تجاه ما تسميه تهديدًا وجوديًا.

 

كما أن العقوبات التي فرضتها أوروبا والغرب على روسيا كانت واسعة الطيف، شملت قطاعات الطاقة والبنوك والمالية، لكن على الرغم من كونها غير مسبوقة من حيث العدد والامتداد، إلا أنها لم تنجح في كسر ظهر الاقتصاد الروسي بالكامل أو إيقاف الحرب بالقوة الاقتصادية فقط، بل دفعت روسيا إلى تطوير آليات اقتصادية بديلة والتكيف مع الضغوط عبر تعزيز روابطها مع دول غير غربية مثل الصين والهند، ما جعل العقوبات أقل فعالية مما كانت تتوقع الدول الأوروبية.

 

أوروبا نفسها تكبدت خسائر واضحة، فارتفاع أسعار الطاقة وتذبذب الأسواق ونقص موارد الطاقة الروسية دفع الدول الأوروبية لإعادة ترتيب أولوياتها الطاقية، لكن الثمن كان ارتفاع التضخم وضغوط على ميزانيات الدول وسلاسل الإنتاج، وهو ما أظهر هشاشة كبيرة في الاعتماد على مصادر طاقة خارج سيطرة التكتل، وكذلك وضعت العقوبات أوروبا في مواجهة مع واقع صعب يتطلب إعادة بناء أمن الطاقة، وهو ما لا يحدث بين ليلة وضحاها بدون تكلفة اجتماعية وسياسية.

 

بدورها لم تكن السياسة الأوروبية محيدة عن الضغوط الروسية، ما ظهر في قرارات الاتحاد الأوروبي من نقاشات مطولة قبل اتخاذ أي إجراء حاسم، واختلاف مواقف الدول الأعضاء حول كيفية إنفاق الأصول الروسية المجمدة لصالح أوكرانيا، يعكس عمق الانقسامات داخل التكتل، بعض الدول مثل هنغاريا وسلوفاكيا أثارت تحفظات على خطوات أكثر صرامة، ما جعل الإجماع الأوروبي بطئا ويعكس تباينا في رؤية المستقبل، هذه الانقسامات لم تكن ذات تأثير مباشر في إبطال قرارات الاتحاد، لكنها أثبتت أن أوروبا ليست كتلة صلبة في مواجهة ما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا، بل مجمع مصالح متباينة تسعى للتوازن بين الهدف الأمني وقيود التمويل والسيادة الوطنية.

 

لقد حولت الحرب أوكرانيا إلى ميدان اختبار للسياسات الدفاعية الأوروبية والأطلسية، أوروبا لم تدخل في حرب مباشرة مع روسيا، لكنها زادت ميزانيات الدفاع بشكل غير مسبوق وتوسعت في دعم كييف بكافة أشكال الدعم العسكري والاستخباراتي، هذا يدل على أن أوروبا لا تزال تحتفظ بقدرات الردع، لكنها تعتمد بشكل كبير على الشراكات مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين لتعويض حدود قدرتها الذاتية على مواجهة التهديدات الكبرى.

 

الدبلوماسية الأوروبية أيضا تعكس قدرة على الاستمرار رغم الضغوط، حيث تشارك في محاولات وقف الحرب عبر المفاوضات الدولية وتعديل المقترحات المتعلقة بعملية السلام، روسيا بدورها تنتقد هذه الجهود وتصفها بأنها لا تؤدي إلى نتيجة حقيقية، بينما تستمر القمة الأوروبية في بحث آليات دعم أوكرانيا والاستجابة للضغوط الخارجية.

 

روسيا لم تكسر الشوكة الأوروبية بشكل كامل ونهائي بمعنى الإخضاع أو التفكيك التام لمراكز القوة الأوروبية، لكن ما حدث هو إضعاف حقيقي للمفاهيم القديمة للقوة الأوروبية الموحدة واستنزاف لقدراتها على التحرك بسرعة وفعالية في مواجهة أزمة عميقة تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الجغرافيا الأوكرانية.

 

أوروبا لم تنهزم، لكنها أُجبرت على إعادة تعريف نفسها واستراتيجياتها، وتظل تواجه معضلة في كيفية التوفيق بين الدفاع عن سيادتها والمضي قدمًا في مشروع التكامل بأقل تكلفة ممكنة، ما أظهرته الحرب حتى الآن هو أن روسيا نجحت في خلق حالة من الضغط الاستراتيجي متعدد الأبعاد على أوروبا، ما جعل الشوكة التي ترمز إلى قدرة أوروبا الكلية على فرض إرادتها تنثني وتضعف، لكنها لم تنكسر بشكل قطعي يفقدها الأدوار الفاعلة في السياسة الدولية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء