يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تهديد أصحاب الياقات ولكن سيطال التهديد هذه المرة أصحاب الياقات البيضاء، نتذكر جميعا كيف حدث التهديد السابق لأصحاب الياقات الزرقاء من الحرفيين وعمال المصانع بعد تحول الاكتشافات الكبرى كالبخار والكهرباء إلى واقع ملموس انتشر في المصانع وأدى إلى تقليص أعداد العمال من البشر، ونتذكر أيضًا كيف تفاعلت النقابات مع هذا الأمر، وانتشرت المظاهرات الرافضة والتي دعت إلى الحفاظ على حقوق العمال ووظائفهم.
اليوم وبعد مرور كل تلك السنوات أتى تهديد جديد، ولكن هذه المرة لأصحاب الياقات البيضاء الذين نجوا من الهجمات السابقة كلها، حتى بعد تغلغل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في نهايات القرن الماضي وحتى وقت قريب بل على العكس ربما زاد عددهم نتيجة استحداث تقنيات وأدوات احتاجت لجهودهم الذهنية والعقلية، فانضم إلى المديريين والأطباء والمهندسين والمحامين والمحاسبين وغيرهم من أصحاب الوظائف عناصر جديدة مثل المبرمجين والمطورين للمواقع الإلكترونية والمسوقين الرقميين …إلخ.
اما اليوم فبعد انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتوكيلى بدأ الحديث عن وظائف المستقبل وتهديد الآلة للإنسان في مجالات متعددة منها مجالات المحاسبة والتحليل المالي وخدمة العملاء والترجمة وكتابة التقارير والمراجعة القانونية والمجالات الإبداعية والثقافية وحتى بعض مجالات الطب والإعلام، فالآلة تستطيع اليوم أن ترصد و تحلل و تقارن وتتفاعل وتصيغ و تتخذ قرارات و تنفذها أحيانا بسهولة ويسر وبتكلفة اقل من خلال نماذج وخوارزميات وبرامج لا تُصاب بالإرهاق، ولا تطلب زيادة في الراتب، ولا تدخل في إجازة مرضية، وهنا بدا القلق في التزايد فإذا كانت الوظائف التي تعتمد على العقل، والتحليل، والمعرفة، قابلة للاستبدال، فما الذي تبقى للإنسان؟
الأمر المثير للدهشة انه ربما لن يتبقى للإنسان إلا الوظائف اليدوية والحرفية، نعم وظائف ذوي الياقات الزرقاء، فحتى هذه اللحظة نجد أن الوظائف الأكثر صمودًا هي وظائف النجار والسباك والكهربائي وعامل البناء والفني الحِرَفي فجميعهم يعتمدون على مهارة يدوية، وتقدير لحظي، وتفاعل مباشر مع الواقع المادي، وهو ما لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزًا عن محاكاته بالكامل، فالروبوت قد يحل محل الإنسان في خط إنتاج منضبط داخل مصنع، لكنه يضعف أمام فوضى الواقع، وتنوع البيئات، وتعقيد التفاصيل اليومية وحتى الآن أن حاولنا أن نحاكى تلك الوظائف فان التكلفة ستكون مرتفعة جدا، قارن بين روبوت يستطيع أن يقوم بوظيفة "غطاس المجاري" ويؤديها بكفاءة تماثل العقل البشرى مقارنة باستقدام إنسان من البشر ليقوم بأدائها.
والحقيقة أن الأمر ليس بهذا السوء ولا هذه البساطة أو السطحية والأمر أيضا ليس مباراة صفرية Zero Sum Game بها رابح وخاسر فالتقديرات تشير أيضا إلى استحداث وظائف جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتطويره وإدارته ولكن ومع كل هذا فان الكثير من الوظائف ستندثر بنسب كبيرة، ربما تختلف تلك النسب باختلاف القوة الاقتصادية للدول وبمدى امتلاكها و توظيفها لتلك التقنيات و لكن حتما سيكون اغلب ذوى الياقات البيضاء واقعين تحت هذا التهديد وفى نفس الوقت نجد أن الساحة قد أصبحت أكثر رحابة واتساعا أمام ذوى الياقات الزرقاء.
المستقبل سيحمل الكثير من المفاجآت ومن التحركات ولذلك علينا أن نضع تصورات له وإلا سنصبح مثل قطعة خشبية تقاذفها الأمواج في محيط بعيد القاع.