احتفالية عيد العلم بجامعة القاهرة.. رسالة تجسد مركزية البحث وبناء الإنسان
جسّدت احتفالية جامعة القاهرة عيد العلم العشرين رسالة الدولة المصرية الواضحة في ترسيخ مكانة العلم والبحث العلمي كقاطرة رئيسية للتنمية الشاملة وبناء الإنسان، حيث اجتمعت كلمات قيادات الدولة والجامعة لتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يكمن في العقول، وأن الجامعات الوطنية تمثل خط الدفاع الأول عن مستقبل الوطن المعرفي والاقتصادي والاجتماعي، في مناسبة حملت دلالات تاريخية ووطنية عميقة، واحتفت بعلماء مصر وروادها.
العلم جوهر التنمية والاستثمار الحقيقي في الإنسان
أكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة، أن العلم والبحث العلمي يمثلان جوهر التنمية البشرية، وأن الاستثمار في الإنسان المصري هو الركيزة الأساسية لأي اقتصاد معرفي مستدام، مشددًا على أن بناء الأوطان لا يتحقق بالأرقام والمؤشرات فقط، وإنما يبدأ ببناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والمنافسة.
وأوضح عبدالغفار، خلال كلمته في احتفالية جامعة القاهرة بعيد العلم العشرين، أن جامعة القاهرة منذ تأسيسها عام 1908 لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت ولا تزال منارة وطنية للفكر الحر، وشريكًا أصيلًا في تشكيل الوعي المصري الحديث، حيث خرج من رحمها العلماء والمفكرون والقادة الذين أسهموا في بناء الدولة المصرية الحديثة، وتركوا بصمات علمية وفكرية داخل الوطن وخارجه.
وأشار إلى أن الاحتفال بعيد العلم لا يقتصر على تكريم أسماء بعينها، بل يحمل رسالة استراتيجية تؤكد توجه الدولة نحو دعم البحث العلمي وتطوير منظومة التعليم العالي والجامعات ومراكز البحث، من خلال التوسع في المبادرات الوطنية، وتعزيز الشراكات الدولية، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع والتنمية.
البحث العلمي أولوية وطنية لخدمة المجتمع
وشدد نائب رئيس مجلس الوزراء على أن الدولة المصرية، من خلال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تبنت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية واضحة لتحويل البحث العلمي من نشاط أكاديمي تقليدي إلى قوة فاعلة في خدمة المجتمع، من خلال برامج تمويل تنافسية، ومشروعات قومية، وربط المخرجات البحثية بالتطبيقات العملية، خاصة في مجالات الصحة والطاقة والغذاء والتكنولوجيا.
وأضاف أن التنمية الحقيقية تبدأ بصحة آمنة، وتمتد عبر تعليم عالي الجودة، لتنتج إنسانًا قادرًا على مواجهة تحديات العصر وصناعة المستقبل، مؤكدًا أن الدولة تعوّل على العلماء والباحثين في قيادة مسيرة التقدم، وتوجيه البحث العلمي نحو حلول عملية ومستدامة.
قفزة نوعية في جودة البحث العلمي المصري
من جانبه، أكد الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أن ما تشهده منظومة البحث العلمي في مصر يعكس تحولًا نوعيًا حقيقيًا، مشيرًا إلى أن عدد الباحثين المصريين المدرجين ضمن قاعدة بيانات مؤسسة سبير تجاوز 190 ألف باحث، وهو رقم يعكس اتساع القاعدة البحثية المصرية.
وأوضح الوزير أن عدد الباحثين المصريين المدرجين ضمن أفضل 2% من علماء العالم وفق تصنيف جامعة ستانفورد ومؤسسة سبير بلغ 1,106 باحثين في عام 2024، مقارنة بـ296 باحثًا فقط في عام 2019، مؤكدًا أن هذا التطور يعكس تحسن جودة البحث العلمي وليس مجرد زيادة عددية.
جودة البحث معيار التقدم وليس الكم
وأشار وزير التعليم العالي إلى أن 78% من إجمالي النشر الدولي لمصر يتم في المجلات العلمية المصنفة Q1 وQ2، وهي المجلات الأعلى جودة وتأثيرًا، بينما يمثل إنتاج مصر في أعلى 10% من المجلات الدولية نحو 18.7%، وهو ما يعكس التطور الملحوظ في مستوى البحث العلمي المصري خلال السنوات الأخيرة.
وأكد عاشور أن الدولة تضع جودة البحث العلمي على رأس أولوياتها، باعتبارها المؤشر الحقيقي للتقدم، لافتًا إلى أن الجامعات المصرية، وفي مقدمتها جامعة القاهرة، أصبحت فاعلًا مؤثرًا في الخريطة البحثية العالمية، نتيجة سياسات دعم الباحثين وتطوير البنية التحتية البحثية.
جامعة القاهرة في صدارة الإنتاج البحثي والتصنيفات الدولية
وأشاد وزير التعليم العالي بالدور الريادي لجامعة القاهرة، التي تصدرت الإنتاج البحثي المصري بعدد تجاوز 28 ألف بحث علمي خلال عام 2024، يغطي مختلف المجالات العلمية والطبية والهندسية والإنسانية، مؤكدًا تصدر الجامعة للتصنيفات الدولية على المستويات العامة والمؤسسية والبرامجية.
كما أعرب عن سعادته بتصدر 118 عالمًا من جامعة القاهرة قائمة أفضل العلماء عالميًا وفق تصنيف ستانفورد، معتبرًا ذلك دليلًا واضحًا على التزام الجامعة بدعم البحث العلمي وتطوير الكوادر البحثية، وتعزيز مكانتها إقليميًا ودوليًا.
تقاطع المعرفة والتكنولوجيا أساس التنمية الشاملة
بدورها، أكدت الدكتورة هالة السعيد، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية، أن تقاطع المعرفة مع التكنولوجيا يمثل حجر الأساس لتحقيق التنمية الشاملة، مشددة على أن البحث العلمي لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل أصبح ضرورة حتمية لبناء مستقبل مستدام واقتصاد تنافسي.
وأعربت السعيد عن سعادتها بالمشاركة في احتفالية عيد العلم بجامعة القاهرة، التي تجمع بين التقدير العلمي وقيم العطاء والالتزام، مؤكدة أن تكريم العلماء يحمل رسالة واضحة بأن العطاء العلمي لا يتوقف عند حدود الإنجاز، بل يمثل حافزًا لمزيد من العمل والإخلاص في مسيرة البحث والتعلم.
جامعة القاهرة.. انتماء شخصي ورمز وطني
وأشارت مستشار رئيس الجمهورية إلى اعتزازها العميق بجامعة القاهرة، التي وصفتها بالصرح العلمي العريق، مؤكدة فخرها بانتمائها إليها كإحدى خريجاتها، وبكونها جزءًا من كوادرها الأكاديمية، ومساهمتها – ولو بجزء بسيط – في تطوير منظومتها العلمية والتعليمية.
وأضافت أن الاحتفال بالعلم والتعليم يحمل لديها أهمية خاصة، ليس فقط على المستوى الأكاديمي، بل أيضًا على المستوى المهني والعملي، نظرًا للارتباط الوثيق بين البحث العلمي والقضايا الاقتصادية والتنموية والشأن العام.
لا نهضة دون علم ولا تنمية دون بحث جاد
وأكدت السعيد أنه لا نهضة لأمة دون علم راسخ، ولا تنمية مستدامة دون بحث علمي جاد، مشددة على أن الجامعات تمثل عقل الوطن المفكر، ومنها تنطلق الحلول للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، خاصة في ظل عالم سريع التغير قائم على الابتكار والتكنولوجيا.
ووجهت التحية والتقدير لعلماء مصر وأساتذتها الذين بذلوا الجهد وصنعوا الفارق، وأسهموا في تربية أجيال متعاقبة، مؤكدة أن فضلهم سيظل راسخًا في المسيرة العلمية والإنسانية للوطن.
عيد العلم.. ذاكرة وطنية وتاريخ من التنوير
واستعرضت الدكتورة هالة السعيد تاريخ الاحتفال بعيد العلم في مصر، الذي يعود إلى عام 1944، قبل تعديل موعده عام 1958 ليوافق 21 ديسمبر، تزامنًا مع ذكرى افتتاح جامعة القاهرة عام 1908، مشيرة إلى تكريم رموز الفكر والأدب عبر العقود، مثل طه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم.
وأكدت أن جامعة القاهرة لعبت دورًا وطنيًا رائدًا في ترسيخ الفكر المستنير القائم على العقل والنقد والإبداع، وأسهمت في تشكيل وجدان الوطن وبناء الإنسان المصري القادر على مواجهة تحديات العصر.
رئيس جامعة القاهرة: التكريم رسالة وفاء لقيمة العلم
وفي كلمته، أكد الدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن تكريم العلماء وأعضاء هيئة التدريس المتميزين يأتي تقديرًا لما قدموه من عطاء علمي وبحثي ومجتمعي أسهم في رفعة الجامعة وتعزيز مكانتها محليًا وإقليميًا ودوليًا.
وأوضح أن هذا التكريم لا يقتصر على الأشخاص، بل يُعد تكريمًا لقيمة العلم ذاتها، ورسالة وفاء من جامعة القاهرة لأبنائها المتميزين، وتجسيدًا لإيمانها الراسخ بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان.
دعم مستمر للبحث العلمي والتميز الأكاديمي
وأشار رئيس الجامعة إلى أن جامعة القاهرة تواصل دعمها لمسيرة البحث العلمي والتميز الأكاديمي، باعتبارهما الركيزة الأساسية لتقدم المجتمعات وبناء المستقبل، مؤكدًا أن ما تحققه الجامعة من إنجازات يعكس الجهود المخلصة لكوادرها العلمية والإدارية.
وفي ختام كلمته، وجّه الشكر والتقدير لأعضاء مجلس الجامعة، وعمداء ووكلاء الكليات، وأعضاء هيئة التدريس والعاملين، وكل من أسهم بإخلاص في مسيرة الجامعة، داعيًا إلى مواصلة طريق العلم والعطاء.
ويؤكد احتفال جامعة القاهرة بعيد العلم العشرين أن العلم سيظل الركيزة الأساسية لبناء الجمهورية الجديدة، وأن دعم الباحثين وتكريم العلماء هو استثمار طويل الأمد في مستقبل الوطن، لترسيخ مكانة مصر كدولة علم ومعرفة، قادرة على المنافسة وصناعة المستقبل.
