رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العُمدة والمشايخ.. ذاكرة الريف وسلطة المجتمع

الصعيد
الصعيد

على امتداد التاريخ، ظل منصب (العُمدة وشيخ البلد) أحد أعمدة النظام الاجتماعي في الريف المصري، بوصفه حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع، وميزاناً دقيقاً يضبط الأمن بالعُرف وبالقانون، ويحفظ التقاليد، ويُسهم في إدارة شؤون الناس اليومية.

غير أن الصورة الذهنية للعمدة ترسخت لدى الناس خاصة من خلال السينما باعتباره الرجل الظالم والمفتري، وحبيب السلطة ورجلها المقرب، وتظل جملة " كلب البيه يا عمدة " التي قيلت في فيلم الارض نكاية في شخصية العمدة الظالم لابناء بلده من أجل إرضاء السلطة الحاكمة حتى في حالات الظلم البين.

هذا التحقيق يتتبع تطور المنصب عبر العصور، ويكشف تحولات شروط التعيين في منصب العمدة كجزء مهم من تاريخنا، والذي بدأ مع العصر الاسلامي وظل حكرا على الرجال الاقوياء واصحاب النفوذ العائلي و المالي  حتى وصلنا إلى لحظة فارقة كسرت احتكار الرجال، مع دخول المرأة إلى عالم "العمودية "  رسمياً.

الجذور التاريخية - من المشيخة إلى العمودية

مع الفتح الإسلامي، تشكلت وظيفة شيخ القرية كسلطة محلية يُختار بالقبول الاجتماعي، يتولى جمع الخراج، وتنظيم شؤون الزراعة، وفض المنازعات وفق العُرف ،  ولم يكن منصب  "الشيخ" موظفاً  رسميا  بقدر ما كان " سلطة مجتمع " تستند إلى المكانة الاجتماعية  والسمعة الطيبة.

البداية مع العصر العثماني

بداية العمودية كمنصب شبه رسمي، ومسؤولاً أمام الدولة عن الأمن وجمع الضرائب وتجنيد الرجال كان مع بداية الاحتلال العثماني لمصر حيث وضعت شروطا للمنصب كان أهمها شرط الملكية الزراعية كضمان للولاء والقدرة على النفوذ الاجتماعي.

تنظيم الدولة الحديثة كبداية لعصر محمد علي 

أعاد الباشا محمد علي تنظيم الإدارة المحلية من خلال بناءه للدولة الحديثة، فكانت العمودية جزءاً من جهاز الدولة، وتوسعت صلاحيات العمدة والشيخ في الضبط الإداري والتجنيد، وترسيخ فكرة "الموظف المحلي".

وفي عام 1895 صدر قانون تنظيم عمل العمد والمشايخ، ويعد هذا العام هو "ولادة منصب العمدة" بشكل رسمي كما نعرفه في الدراما والسينما من أصحاب النفوذ والقوة والظلم أحيانا، فقد صدر القانون لينظم تعيين العمد والمشايخ، واشترط في العمدة أن يكون من أصحاب الأملاك وألا تقل املاكه الزراعية عن 10 أفدنة، الى جانب تمتعه بسمعة طيبة وهيبة إجتماعية.

أما شيخ البلد  فكان يعمل "مساعداً" للعمدة، حيث تُقسم القرية إلى حصص (أو أسباخ)، ولكل حصة شيخ مسؤول أمام العمدة.

" العمدة " بعد ثورة 1952

بعد ثورة يوليو تقلص نفوذ كبار الملاك، لكن منصب العمدة ظل قائماً، وتحول تدريجياً إلى وظيفة خدمية أمنية، تخضع لقوانين ولوائح واضحة، مع استمرار تأثير العُرف والعائلة.

وتحول شرط التعيين.. من امتلاك الأرض إلى المؤهل و شهد قانون الإدارة المحلية رقم 56 لسنة 1978 وتعديلاته تحولات جوهرية، نقلت المنصب من هيمنة الملكية الزراعية إلى معيار الكفاءة والسلوك والمؤهل العالي 

هذه التحولات أعادت تعريف العمدة  من " كبير ملاك " إلى " كادر محلي " قادر على التعامل مع أجهزة الدولة.

و تحول المنصب تدريجيا  من "سلطة شبه مطلقة" إلى منصب إداري أمني يتبع وزارة الداخلية،  ففي عام 1994، صدر القانون رقم 56 الذي جعل اختيار العمدة بالتعيين عن طريق لجنة بوزارة الداخلية  بدلاً من الانتخاب، لضمان الحيادية والأمن.

شيخ الحارة "مرعب" المدينة

بينما كان العمدة ملك الريف، كان "شيخ الحارة" هو ضابط إيقاع المدينة (خاصة في القاهرة والأسكندرية) ، فكان شيخ الحارة يعرف "دبيب النمل" في حارته، فكان المسؤول عن تسجيل المواليد والوفيات، وفض المنازعات بين الجيران، ومعرفة الغرباء الذين يدخلون الحارة ، مع توسع المدن وظهور نظام "أقسام الشرطة" الحديث و"المحضرين" و"السجل المدني"، بدأ دور شيخ الحارة يتآكل.

تم إلغاء منصب شيخ الحارة واستبداله بـ "معاون المباحث" أو "مخبر المنطقة" من الناحية الأمنية، وبموظفي الحي من الناحية الإدارية، وإن ظل اللقب يتردد شعبياً .

القانون  مهد الطريق للعمدة "الست" 

رغم أن القانون استخدم صيغة " كل من " دون تمييز، فإن العُرف ظل عائقاً حتى 2008 امام تعيين النساء في منصب العمد لكن التعديلات القانونية  كـ " المؤهل الدراسي والدخل الثابت و الوضع العائلي والاجتماعي " تغلبت جميعها على امتلاك والعصبيات القبلية ،  ونجحت فكرة التعيين برئاسة مديرالأمن  كبديل للانتخاب المباشر الذي يتأثر بالعصبيات القبلية ، هكذا، انتقلت المعركة من ساحة العُرف إلى ميزان الكفاءة.

مهام العمدة اليوم.. سلطة قانونية كاملة

العمدة - سيدة كان أو رجلاً - يُعد موظفاً عمومياً، وتتلخص مهامه في الضبط الإداري، و حفظ الأمن والنظام ، و المعاونة الأمنية بالإبلاغ عن الجرائم والتحركات المشبوهة.

ويقوم ايضا بالتوثيق، فتوقيعه شرط لصحة شهادات الإقامة والحيازة الزراعية ودوره مهم في فض المنازعات و المصالحات العرفية،  وهنا برزت قدرة العمد السيدات في القضايا الأسرية والميراث.

" المعلمة " شيخة الحارة في الحلمية والجمالية 

في فترات تاريخية سابقة ، عرفت القاهرة نماذج نسائية غير رسمية تحت مسمى "المعلمة" تقيم في المناطق الشعبية القديمة كـ الجمالية والدرب الأحمر و الحلمية والسيدة زينب ، ونجحت "المعلمة" في  أدارة شؤون النساء وحل النزاعات، لكنها افتقدت الصفة القانونية  حتى قويت الدولة الحديثة  واصبح الختم الرسمي للدولة هو اقوى سلطة فمنح المرأة حريتها وشخصيتها المستقلة ووفر لها الحماية القانونية.

رائدات كسرن القاعدة 

لم تعد العمودية لقبًا حكرًا على الرجال، ولا سلطةً مرتبطة بالأرض وحدها، بل غدت تعبيرا عن تحول أعمق في بنية الريف المصري، حيث تتراجع العصبية أمام معيار الكفاءة، وتتقدم المرأة إلى المجال العام من أوسع أبوابه ، وبين ذاكرة تاريخية راسخة ومتطلبات دولة حديثة، يظل موقع العمدة - رجلا كان أو سيدة - شاهدا على قدرة المجتمع المصري على التجدد دون التفريط في جذوره.

 * إيفا هابيل كيرلس (2008)  ابنة محافظة أسيوط سجلت اسمها كأول سيدة تتولى منصب العمدة في مصر الحديثة وهي محامية وعضو سابق بمجلس الشورى، خاضت المعركة الانتخابية بثقة وفازت على ستة رجال، مستندة إلى كفاءة قانونية وإرث عائلي ممتد في العمل العام.

* عزة عبد المحسن (2016) - من محافظة كفر الشيخ  وهي مهندسة زراعية حملت المسؤولية بعد رحيل زوجها، لكنها لم تعتمد على الإرث وحده، بل على خبرة طويلة في إدارة الجلسات العرفية وحضور اجتماعي مكنها من نيل دعم واسع داخل قريتها.

* نشوى سرحان (2017) بنت محافظة المنيا وهي أول عمدة سيدة بالمحافظة، برز اسمها في إدارة الأزمات، لا سيما الأمنية، واستطاعت أن تستكمل مسيرة زوجها برؤية أكثر تنظيمًا وحضورا في الجلسات العرفية 

* هدى المغربي – ابنة محافظة قنا القوية : وهي إحدى الرائدات في الصعيد، أسهمت تجربتها في كسر الحاجز النفسي أمام فكرة " السيدة القيادية " داخل القرى، ومهدت الطريق لتقبل أوسع لدور المرأة في الإدارة المحلية.

العمدة في السينما  بين الهيبة  والتبعية 

لم تنسى السينما المصرية تشخيص دور العمدة، ولم تتعامل معه كشخصية هامشية أو ديكورية في المشهد الريفي، بل جاء "العمدة" تجسيدًا لعلاقة السلطة بالمجتمع، منذ أفلام الأربعينيات والخمسينيات، ظهر العمدة كرمز للنفوذ، فهو مالك الأرض، وصاحب الكلمة، والحاكم غير المعلن للقرية، كما في نماذج العمدة المتسلط الذي يحتكر العدالة ويوظف العُرف لخدمة مصالحه. 

ومع صعود سينما الواقعية في الستينيات، بدأت الصورة  تتغير نسبيا، فتحول العمدة إلى شخصية إشكالية تعكس صراع الطبقات ورمز للإقطاع، فأحيانا يكون فاسدا وأحيانا ضحية لتحولات إجتماعية أكبر منه.

 وفي مراحل لاحقة، خصوصا في أفلام الثمانينيات والتسعينيات، تراجع حضور العمدة لحساب شخصيات جديدة تمثل الواجهة الجديد ة للسلطة، لكنه ظل حاضرا في ذاكرة السينما كأيقونة للريف التقليدي، بجلابيته وعصاه وبيته المفتوح أو دوار العمدة، و ظل العمدة شاهداً على زمن كانت فيه السلطة تُمارس بالهيبة أكثر مما تُدار بالقانون.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء