من النحاس باشا إلى «يمامة».. حكاية قرن من الانقلابات البيضاء في الوفد
تحت وطأة أجواء مشحونة بالترقب، وبين جدران مقر "بولس حنا" العتيق بالدقي التي شهدت صراعات وانقسامات، يستعد حزب الوفد لفتح واحد من أصعب فصوله الانتخابية.
مع اقتراب انتهاء ولاية الدكتور عبد السند يمامة، تطل "لعنة الكرسي" برأسها من جديد، لتضع أعرق الأحزاب الليبرالية المصرية أمام مخاض عسير لاختيار ربان جديد لسفينة "بيت الأمة".
وسط هذا المشهد المشدود، انقسمت خريطة الترشح الوفدية إلى معسكرين، الأول تعجل إعلان "الرغبة في المقعد" محاولاً حسم المعركة مبكراً، والثاني آثر "الصمت الاستراتيجي" تحت لافتة انتظار "المرشح التوافقي" أو استقراء نبض القواعد التي باتت تضيق ذرعاً بالصراعات الداخلية.
ولا تأتي هذه الانتخابات بمعزل عن تاريخ طويل من الصدامات، فمنذ "كاريزما" الزعيم سعد زغلول وصولاً إلى زلزال انتخابات 2022، ظل مقعد رئيس الوفد عصياً على الاستقرار.
وتبرز في هذه الدورة "قاعدة الـ 8 سنوات" كحارس للائحة الحزب، وهي القاعدة التي أطاحت بطموحات البقاء لأسماء ثقيلة، كان أبرزها الدكتور السيد البدوي الذي غادر منصبه في 2018 مرغماً بقوة القانون الداخلي، ليسلم الراية للمستشار بهاء أبو شقة، في مشهد كسر تقليد "الزعامة الأبدية" الذي انتهى برحيل آخر الباشوات فؤاد سراج الدين عام 2000.
في هذا التقرير المفصل عبر "إيجبتك"، نفتح دفاتر "بيت الأمة" المترعة بالصراعات والموائمات، لنستعرض تسلسل تداول السلطة عبر مائة عام، من شرعية "الصندوق" إلى صخب "الاحتجاج"، وكيف تحول الوفد من حزب الأغلبية الكاسحة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.. فهل تكون الانتخابات القادمة طوق نجاة؟
من زعامة "سعد" إلى معارك "الصندوق".. كيف صاغت صراعات الرئاسة تاريخ حزب الوفد؟
على مدار قرن من الزمان، لم يكن منصب رئيس حزب الوفد مجرد مقعد قيادي، بل كان دائماً محوراً لعواصف سياسية غيرت مجرى التاريخ المصري.
منذ رحيل المؤسس سعد زغلول وحتى أزمات "الوفد الجديد"، ظلت معارك الرئاسة ترسم ملامح الحزب الليبرالي العريق.
المعركة الأولى: صراع "الورثة" ورجال الصف الثاني (1927)
بدأت أولى فصول المنافسة عقب وفاة الزعيم سعد زغلول عام 1927. لم تكن الخلافة سهلة، حيث تطلع ابنا أخت الزعيم (فتح الله وعاطف بركات باشا) لقيادة الحزب.
جرت انتخابات تاريخية وصفت بأنها بين "رجال الصف الثاني"، وانحصرت المنافسة بين فتح الله بركات ومصطفى النحاس.
انتهت المواجهة باختيار "النحاس" زعيماً للحزب في اجتماع حاسم رجحت فيه كفته، ليقود الوفد لربع قرن حتى صدور قرار حل الأحزاب عام 1952.
عصر "الباشا" وسنوات التجميد (1977 - 1984)
بعد 22 عاماً من الغياب، بعث فؤاد باشا سراج الدين (سكرتير الوفد قبل الحل) الروح في "بيت الأمة". ومن منبر نقابة المحامين في أغسطس 1977، أعلن تأسيس "الوفد الجديد" في خطاب ماراثوني استمر 3.5 ساعة.
دخل الحزب في "صدام شرعي" مع السلطة، مما أدى لتجميد نشاطه اختيارياً عام 1978، قبل أن تُعتقل قياداته في سبتمبر 1981.
ومع تولي الرئيس مبارك، خاض الحزب معركة قضائية ناجحة أسفرت عن إلغاء "العزل السياسي" لسراج الدين، ليعود الوفد للساحة من قصر "جاردن سيتي" ببيان ألقاه الدكتور نعمان جمعة.
زلزال رحيل سراج الدين.. أول انتخابات رقمية (2000)
كان رحيل فؤاد سراج الدين في أغسطس 2000 لحظة فارقة. تولى نائبه الأول نعمان جمعة الرئاسة مؤقتاً، وفتح باب الترشح الذي شهد تنافساً بين 6 مرشحين. وتجلت الديمقراطية الوفدية في نتائج الصندوق:
- نعمان جمعة: حصد 500 صوت (78.25%) من قوام الجمعية العمومية.
- فؤاد بدراوي (حفيد الباشا): حصل على 129 صوتاً في أولى تجاربه.
- مدحت خفاجي: 8 أصوات.
- عبد المحسن حمودة: صوتان فقط. (بعد تنازل إبراهيم أباظة ومحمود السقا لمنع الانقسام).
أزمة 2006.. حين انكسر التوافق
لم يدم استقرار حقبة نعمان جمعة طويلاً، فبعد حصوله على المركز الثالث في انتخابات الرئاسة 2005، تفجر الغضب داخل "بيت الأمة". قررت الهيئة العليا تغيير اللائحة لتحديد مدة الرئاسة بـ 4 سنوات (دورتين فقط)، وأقالت جمعة في يناير 2006.
اشتعل الصراع بين "جبهة نعمان" و"جبهة محمود أباظة"، وتطور النزاع لدرجة مكنت فيها السلطات جمعة من المقر، وتوقفت جريدة الوفد عن الصدور، قبل أن تُحسم الأزمة قانونياً وسياسياً بتولي محمود أباظة رئاسة الحزب بالتزكية، لتنتهي واحدة من أعنف أزمات الصراع على السلطة داخل الوفد.
فبراير 2006 مصطفى الطويل رئيس للحزب موقتا
اختارت الجمعية العمومية لحزب الوفد المستشار مصطفى الطويل رئيسا مؤقتا لحزب الوفد حتى عقد انتخابات رئاسة الحزب في يونيو 2006.
وقررت الجمعية العمومية وقتها فصل الدكتور نعمان جمعة بأغلبية 91 بالمئة من أصوات اعضائها الحاضرين والذين بلغ عدد 495 عضوا من اصل 723 يحق لهم التصويت بينما فاز المستشار الطويل بنسبة 3 ر94 بالمئة منهم.
انتخابات رئاسة حزب الوفد 2006 بعد أحداث إبريل الأسود
في يونيو 2006 انعقدت الجمعية العمومية لحزب الوفد وتم نجاح الدكتور محمود أباظة رئيسا للحزب بالتزكية.
2010 مواجهة اباظة والبدوي
في مايو 2010، قدم الوفد نموذجاً نادراً للتداول السلمي، حيث تنافس محمود أباظة ضد سكرتيره العام السابق الدكتور السيد البدوي.
وحصل البدوي على 839 صوتا مقابل 630 لأباظة، في حين حصلت المنافسة الثالثة إجلال سالم على 3 أصوات فقط.
وتحت شعار "معاً من أجل التغيير"، نجح البدوي في انتزاع الرئاسة ليبدأ حقبة استمرت لمدتين متتاليتين، شهدت تحديات سياسية كبرى.
2014 بدراوي يخوض الانتخابات مجددا قبالة البدوي
عقب انتهاء ولاية البدوي الاولى تم فتح باب الترشح لاانتخابات رئاسة الحزب .
وتقدم للترشح فؤاد بداروي المنافس التاريخي في كل انتخابات رئاسة للحزب.
وفاز الدكتور السيد البدوي وقتها بدورة ثانية، بعد حصوله على بعد حصوله على 1251 صوتاً، مقابل 1050 صوتاً لسكرتير عام الحزب السابق، فؤاد بدراوي.
2018 البدوي يرحل وأبوشقة يترأس
في مارس 2018، حبست الأوساط السياسية المصرية أنفاسها وهي تتابع انتخابات رئاسة حزب الوفد، فلم تكن مجرد عملية اقتراع لاختيار خليفة للدكتور السيد البدوي، بل كانت سباقاً بين 3 مدارس فكرية وتنظيمية مختلفة حاولت رسم ملامح مستقبل أعرق الأحزاب الليبرالية.
3 وجوه لمستقبل واحد
انحصرت المعركة بين 3 قامات وفدية، لكل منها ثقلها الخاص.
المستشار بهاء الدين أبو شقة، الفقيه القانوني وسكرتير عام الحزب آنذاك، الذي دخل المعركة متسلحاً بدعم "الحرس القديم" وخبرته القانونية والبرلمانية الطويلة.
المهندس حسام الخولي، نائب رئيس الحزب حينها ورئيس اتحاد الشباب الوفدي لعدة سنوات، والذي اعتمد على شعبيته الكبيرة بين القواعد الشبابية والتنظيمية، مراهناً على رغبة الوفديين في ضخ دماء جديدة.
الدكتور ياسر حسان، مساعد رئيس الحزب ورئيس اللجنة الإعلامية، الذي قدم رؤية عصرية تهدف لتطوير الحزب مؤسسياً وإعلامياً ليواكب لغة العصر.
واسفرت الانتخابات عن فوز فوز بهاء أبو شقة رسميًا برئاسة الحزب، بعد حصده 1384 صوتًا مقابل 990 صوت للمهندس حسام الخولى، ثم ياسر حسان بـ193 صوتًا".
2022 يمامة يتربع على عرش بولس حنا وأبو شقة يرحل
شهد عام 2022 واحدة من أكثر اللحظات إثارة في التاريخ الحديث لحزب الوفد ، حيث كانت الانتخابات الرئاسية للحزب بمثابة "زلزال سياسي" لم تتوقعه مراكز القوى التقليدية داخل القلعة الليبرالية بالدقي.
المواجهة.. الأستاذ في مواجهة القطب
دخلت المعركة الانتخابية ذروتها في مارس 2022 بين قطبين من العيار الثقيل:
بهاء الدين أبو شقة: رئيس الحزب (آنذاك)، ووكيل مجلس الشيوخ، والرجل الذي تمتع بنفوذ واسع وسيطرة على مفاصل الحزب لسنوات.

د. عبد السند يمامة: أستاذ القانون الدولي بجامعة المنوفية وعضو الهيئة العليا، الذي دخل السباق برهان على رغبة الوفديين في "التغيير الجذري" والعودة إلى العمل المؤسسي.
ليلة الحسم وصناديق المفاجآت
وسط حضور كثيف من أعضاء الجمعية العمومية (الهيئة الوفدية) الذين توافدوا من كافة محافظات مصر، جاءت النتائج لتعلن عن تحول درامي في موازين القوى:
حصد عبد السند يمامة 1668 صوتاً.
حصد بهاء أبو شقة 1548 صوتاً.
بفارق ضئيل بلغ 120 صوتاً فقط، أُعلن فوز يمامة رئيساً للوفد حتى عام 2026.
لم يكن فوز يمامة مجرد تغيير في الأسماء، بل اعتبره المراقبون "تصويت عقابي" ضد السياسات التي اتبعت في عهد أبو شقة، ورسالة واضحة بأن "بيت الأمة" لا يزال قادراً على ممارسة الديمقراطية الداخلية حتى في أصعب أوقاته.
الوفد في 2024 .. البدوي يترشح والباقي يدرس
حتى لحظات كتابة هذة السطور أعلن كل من حمدي قوطة وعيد هيكل والسيد البدوي الذي رضخ لمطالبات جموع الوفديين الذين لقبوه بكبير العائلة الوفدية، عن عزمهم خوض انتخابات رئاسة حزب الوفد للجلوس على كرسي سعد زغلول.
قررت الهيئة العليا تشكيل لجنة برئاسة حاتم رسلان للإشراف على الانتخابات، تضم في عضويتها كلاً من: (مصطفى رسلان، طارق سباق، إبراهيم صالح، أمل رمزي، وحمادة بكر). وتوافق الأعضاء على إسناد مهمة الإشراف والرقابة لـ هيئة النيابة الإدارية لضمان النزاهة، مع اعتماد نظام "التصويت والفرز اليدوي".
الجدول الزمني للمارثون
اعتمد الحزب مواعيد محددة لإتمام العملية الانتخابية وفقاً للآتي:
- 3 يناير 2026: فتح باب الترشح (من 11 صباحاً حتى 5 مساءً).
- 8 يناير 2026: غلق باب الترشح (بعد 6 أيام من الاستقبال).
- 30 يناير 2026: يوم الاقتراع الحاسم واختيار رئيس الوفد.
خريطة المرشحين.. عودة الكبار وبقاء "الغموض"
اشتعلت بورصة الأسماء مع اقتراب موعد فتح الباب، حيث انقسمت المشهد إلى ثلاث جبهات:
1. جبهة الحسم: أعلن كل من الدكتور السيد البدوي (رئيس الحزب الأسبق)، وياسر حسان (أمين الصندوق)، وحمدي قوطة وعيد هيكل، عزمهم الأكيد على خوض السباق.
2. جبهة "نداء الوفديين": أبدى المستشار بهاء أبو شقة (رئيس الحزب السابق) مرونة في الترشح شرط وجود طلب جماهيري من الوفديين، قائلاً: "لا أبحث عن المنصب شخصياً، لكنني لن أخذل الوفديين إذا استدعوني"، نافياً في الوقت ذاته إبلاغه بأي قرار توافقي على اسم الدكتور السيد البدوي حتى الآن.
3. جبهة "التفكير والترقب":
- عبد السند يمامة: رئيس الحزب الحالي لم يحسم موقفه النهائي بعد.
- ياسر الهضيبي: السكرتير العام أرجأ قراره إلى مطلع يناير المقبل.
- حسين منصور: نائب رئيس الحزب ربط ترشحه بضرورة صياغة "خطاب سياسي عصري" لانتشال الوفد من غيابه السياسي المستمر منذ 8 سنوات.
- هاني سري الدين: لا يزال اسمه مطروحاً ضمن دائرة التفكير ولم يعلن موقفاً قاطعاً.
تحديات الخطاب السياسي
يرى مراقبون أن الانتخابات القادمة لن تكون مجرد تغيير وجوه، بل هي “معركة هوية”، حيث يواجه المرشحون تحدي إحياء دور الوفد في الشارع المصري، وهو ما أكد عليه جموع الوفديين، بأن الحزب يحتاج إلى دماء جديدة تعيده لمنصة التأثير الحزبي التي افتقدها لسنوات.