رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حصاد التعاون الدولي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي لعام 2025

الدكتور ايمن عاشور
الدكتور ايمن عاشور وزير التعليم العالي

يشكل عام 2025 علامة فارقة في مسيرة التعليم العالي والبحث العلمي المصري، إذ شهدت المنظومة نقلة نوعية غير مسبوقة على صعيد الشراكات الدولية. ويرى الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أن هذا العام يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار تدويل المنظومة، وذلك عبر توسع استراتيجي قائم على تبادل المعرفة، ونقل التكنولوجيا المتقدمة، وربط مخرجات البحث العلمي مباشرة باحتياجات الاقتصاد الوطني والصناعة.

 يأتي هذا التحرك تماشيًا مع الإستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي 2030، ورؤية مصر للتنمية المستدامة، بهدف ترسيخ مكانة مصر كمحور إقليمي وإفريقي للتعليم والبحث والابتكار.

أسبوع البحث والابتكار المصري الأوروبي والانضمام إلى «أفق أوروبا»

شهد عام 2025 حدثاً محورياً بإطلاق فعاليات «أسبوع البحث والابتكار المصري–الأوروبي 2025»، تزامناً مع مرور عشرين عاماً على اتفاقية التعاون المشترك. 

وجاء هذا الحدث تتويجاً لمسار طويل، وتماشياً مع الانضمام الرسمي لمصر كدولة شريك في برنامج «أفق أوروبا» (Horizon Europe)، أحد أكبر برامج تمويل البحث والابتكار في العالم. وقد شكّل الأسبوع منصة استراتيجية لتعميق التعاون العلمي والتكنولوجي، وجمع صنّاع القرار والباحثين والشركات الناشئة من الجانبين.

تدشين مكتب التعاون المصري–الأوروبي للبحوث والابتكار

تُوّج هذا التعاون بتدشين مكتب التعاون المصري–الأوروبي للبحوث والابتكار بمقر الوزارة في العاصمة الإدارية الجديدة، ليكون أول مكتب من نوعه في المنطقة. 

يهدف المكتب إلى دعم الجامعات والمراكز البحثية المصرية والشركات الناشئة في الوصول إلى برامج التمويل الدولية، وتسهيل إجراءات المشاركة في المشروعات المشتركة. كما تم تحديد أولويات التعاون للأعوام 2026–2028، والتي تركز على مجالات حيوية تتماشى مع الأولويات الوطنية والعالمية، مثل:

· الطاقة الخضراء: الهيدروجين الأخضر.

· التقنيات المتقدمة: الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

· التحديات العالمية: الأمن الغذائي والمائي.

· العلوم الصحية: الطب الحيوي والتكنولوجيا الحيوية.

يهدف هذا التعاون إلى تعظيم استفادة الباحثين المصريين من برامج مثل Horizon Europe و PRIMA، وتحويل مخرجات الأبحاث إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية، مما يعزز دور مصر كجسر يربط شبكات الابتكار بين أوروبا وإفريقيا ومنطقة البحر المتوسط.

المشاركة التاريخية في مؤتمر ومعرض EAIE بالسويد

سجّلت مصر حضوراً تاريخياً في النسخة الخامسة والثلاثين من المعرض والمؤتمر الدولي للتعليم العالي (EAIE 2025) في جوتنبرج بالسويد، حيث كانت أول دولة من خارج اتحاد الجامعات الأوروبية تُدعى للمشاركة في ورشة عمل متخصصة حول تدويل التعليم العالي. قدّم الوفد المصري الرفيع المستوى، الذي ضم ممثلين عن جامعات من مختلف المسارات (حكومية، أهلية، خاصة، تكنولوجية)، عرضاً مفصلاً حول التطور النوعي في المنظومة التعليمية المصرية. واستغل المؤتمر كمنصة لعقد لقاءات ثنائية مكثفة مع الجانب السويدي والأطراف الأوروبية الأخرى، لبحث آليات توسيع الشراكات الأكاديمية وبرامج التبادل الطلابي والبحثي، وتسليط الضوء على مبادرة «تحالف وتنمية» كنموذج ناجح لربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة.

تعزيز التعاون مع المملكة المتحدة

على صعيد العلاقات الثنائية، شارك وزير التعليم العالي في المؤتمر العالمي «Going Global» بلندن في أكتوبر 2025، حيث استعرض ركائز الإستراتيجية الوطنية الهادفة إلى مواءمة البرامج الأكاديمية مع متطلبات سوق العمل العالمي. وقد سلطت الزيارة الضوء على مكانة مصر كرابع أكبر وجهة عالمية للتعليم البريطاني العابر للحدود (Transnational Education).

وشملت الزيارة لقاءات مع وزيرة التعليم البريطانية لبحث سبل توسيع هذا النموذج التعاوني، كما شهد المؤتمر إطلاق تقرير استراتيجي حول توسيع نطاق التعليم العالي الرقمي في مصر، مما يؤكد الثقة الدولية في المسار المصري.

شراكات استراتيجية مع دول الشرق: اليابان وكوريا الجنوبية

تعميق التعاون مع اليابان (الجايكا والمبادرة المصرية اليابانية)

تم تعزيز التعاون مع الهيئة اليابانية للتعاون الدولي (JICA) بشكل ملحوظ خلال عام 2025، حيث تمت مناقشة دعم مشروعات تعاون قائمة وتطوير أخرى جديدة في مجالات التعليم التكنولوجي والتدريب المهني. كما تم الاتفاق على توسيع نطاق منح المبادرة المصرية اليابانية للتعليم (EJEP)، التي تهدف إلى تطوير المنظومة التعليمية من خلال النموذج الياباني في إدارة الجودة والربط بسوق العمل، مما يعود بالنفع المباشر على الطلاب والباحثين والمؤسسات التعليمية المصرية.

مبادرة SHINE الكورية من أرض جامعة القاهرة

شهد العام حدثاً رمزياً بارزاً تمثل في إطلاق الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ لمبادرة "SHINE" من جامعة القاهرة، خلال أول زيارة رسمية له لمصر. تهدف المبادرة إلى تعزيز قيم السلام والازدهار والتبادل الثقافي بين الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية. وجسد هذا الحدث عمق العلاقات الثنائية وحرص الجانب الكوري على أن تكون مصر شريكته الإستراتيجية في المنطقة. وقد أعلن الجانب الكوري على هامش الزيارة عن تقديم حزمة من المنح الدراسية للطلاب المصريين في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مما يفتح آفاقاً جديدة للطلاب المتميزين للاستفادة من الخبرة الكورية المتقدمة في هذه المجالات الحيوية.

حصاد الملتقى المصري الفرنسي وتوقيع مذكرات مع مجموعة "فاتيل"

اختتمت فعاليات الملتقى المصري الفرنسي للتعاون العلمي والجامعي لهذا العام بتوقيع مذكرات تفاهم بين عشر جامعات مصرية ومجموعة "فاتيل" (Vatel) الفرنسية المتخصصة عالمياً في إدارة الضيافة والفنادق. تهدف هذه الاتفاقيات إلى نقل الخبرات الدولية الراقية في هذين المجالين الحيويين، ورفع كفاءة الخريجين بما يتوافق مع معايير السوق العالمية.

حصاد زيارة الرئيس الفرنسي وتوسيع آفاق التعاون

تُضاف هذه الاتفاقيات إلى حزمة الاتفاقيات التي سبق توقيعها خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمصر في أبريل 2025، ليرتفع إجمالي عدد الاتفاقيات الموقعة منذ تلك الزيارة إلى 52 اتفاقية شملت أكثر من 80 مشروعاً أكاديمياً وبحثياً مشتركاً. وتغطي هذه الاتفاقيات مجالات متنوعة، أبرزها:

· إطلاق برنامج مشترك لمنح الدكتوراه.

· تطوير برامج لتدريس الطب باللغة الفرنسية، مما يعزز التنوع اللغوي والفرص للطلاب.

· متابعة الأعمال الإنشائية في الحرم الجديد للجامعة الأهلية الفرنسية في مصر، كمثال حي على استثمار الشراكة في البنية التحتية التعليمية.

البرنامج التنفيذي المصري–الروسي 2026-2029

شهد عام 2025 نقلة نوعية في التعاون مع روسيا، حيث تم التوقيع على البرنامج التنفيذي للتعاون العلمي والتقني للأعوام 2026–2029، وذلك على هامش المنتدى الخامس لاتحاد رؤساء الجامعات الروسية والعربية. 

ويتركز هذا البرنامج على:

· مشروعات بحثية مشتركة وتبادل الباحثين في مجالات: علوم الفضاء، الذكاء الاصطناعي، الطاقة البديلة والنووية، النانو تكنولوجي، العلوم الطبية الحيوية.

· التعاون المؤسسي: إنشاء فروع جديدة للجامعات الروسية المرموقة داخل مصر، وإطلاق برامج تعليمية مشتركة.

· بناء القدرات: تدريب الكوادر في تخصصات دقيقة مثل الطاقة النووية، الميكاترونكس، والأمن السيبراني، مع الاستمرار في دعم نموذج جامعة برج العرب التكنولوجية.

· التبادل الثقافي: دعم تعليم اللغتين العربية والروسية في البلدين.

شراكات تقنية مع إيطاليا وألمانيا

تم تقييم وتطوير التعاون مع إيطاليا في مجالات التعليم التكنولوجي، العمارة، والرعاية الصحية خلال لقاء الوزير بسفير إيطاليا بالقاهرة. كما ناقش الوزير مع ممثلي الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي (DAAD) سبل تعزيز المنح الدراسية للطلاب المصريين، ودعم منظومة التعليم الفني والتكنولوجي، الذي يحظى بأولوية قصوى في رؤية التطوير المصرية.

تعزيز البنية التحتية الرقمية والمعرفية: شراكات مع هولندا

أسفرت زيارة الوزير إلى هولندا عن توقيع عقود إستراتيجية مع شركتي Elsevier وInsygen الرائدتين عالمياً في مجال النشر العلمي والحلول التكنولوجية. وتركز هذه الاتفاقيات على:

· دعم بنك المعرفة المصري (EKB) وتطويره ليصبح منصة معرفية إقليمية رائدة.

· دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث العلمي والنشر الأكاديمي.

· تطوير منصة رقمية متخصصة للتعليم الجراحي، وتوحيد الإرشادات الجراحية الوطنية للمستشفيات الجامعية.

· توفير برامج تدريبية معتمدة للكوادر الطبية بالتعاون مع الأكاديمية الطبية العسكرية ووزارة الصحة والسكان، مما يرفع جودة التعليم الطبي الرقمي وفقاً لأعلى المعايير الدولية.

 

التوسع في جذب فروع الجامعات الأجنبية والتعليم العابر للحدود

شهد عام 2025 دفعة قوية لسياسة جذب فروع الجامعات الأجنبية المرموقة وإنشاء مسارات للتعليم العابر للحدود، منها:

· متابعة إجراءات إنشاء فروع لجامعتي أدنبرة نابيير وكوين مارجريت البريطانيتين ضمن مؤسسة العاصمة الجامعية "كابيتال" بالعاصمة الإدارية الجديدة.

· توقيع اتفاقيات بين 12 جامعة مصرية وجامعة لويفيل الأمريكية لإنشاء مسار مشترك لبرامج ماجستير العلوم الهندسية.

· تجديد بروتوكول التعاون بين جامعة المستقبل وجامعة كورك الأيرلندية.

· متابعة البرامج الدراسية لفرع جامعة سان أنطونيو في مورسيا الإسبانية في مصر.

التعاون الإقليمي: تعزيز الروابط العربية والإفريقية

مستوى التعاون العربي

ركزت اللقاءات مع المسؤولين العرب على مشروعات ذات بعد تطبيقي واستراتيجي:

· مع الإمارات: متابعة مستجدات إنشاء فرع جامعة الإسكندرية بأبوظبي وتوسيع نطاق البرامج المشتركة مع جامعة الشارقة.

· مع السعودية: مناقشة إطلاق برامج دراسية مشتركة ومنح شهادات مزدوجة.

· مع السودان: تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي بين المؤسسات التعليمية في البلدين.

مستوى التعاون الإفريقي

تم التأكيد على الدور القيادي لمصر في دعم بناء القدرات في إفريقيا:

· مع نيجيريا وغانا: مناقشة سبل التعاون في التعليم الفني والتكنولوجي، ونماذج التعليم العابر للحدود، وتشجيع الطلاب الأفارقة على الدراسة في مصر.

· مع تشاد: متابعة تطوير فرع جامعة الإسكندرية في تشاد، كمشروع رائد لنقل الخبرة المصرية ودعم التعليم العالي في الدول الشقيقة.

آفاق مستقبلية: التوجه نحو الشراكات القائمة على الابتكار والتكنولوجيا

يشير حصاد عام 2025 إلى تحول استراتيجي في فلسفة التعاون الدولي لمنظومة التعليم العالي المصرية، من الشراكة التقليدية إلى نموذج قائم على:

1. التكنولوجيا والرقمنة: من خلال دمج الذكاء الاصطناعي، وتطوير المنصات التعليمية المتقدمة.

2. ربط البحث بالصناعة: عبر برامج مثل "أفق أوروبا" و"تحالف وتنمية"، لضمان مردود اقتصادي ملموس.

3. التخصص في المجالات المستقبلية: كالطاقة الخضراء، الفضاء، الأمن السيبراني، والعلوم الحيوية.

4. التعليم العابر للحدود وجذب الاستثمار الأجنبي: في البنية التحتية التعليمية عبر فروع الجامعات الدولية.

بلا شك، يُعد عام 2025 عاماً محورياً أرسى دعائم مرحلة جديدة من الشراكات الدولية الذكية والمتنوعة لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر. لم يعد التعاون مقتصراً على تبادل الطلاب أو توقيع اتفاقيات إطارية، بل تحول إلى شراكات استراتيجية عميقة تمس صميم الأولويات الوطنية: الاقتصاد الأخضر، التحول الرقمي، الأمن القومي (الغذائي، المائي، الطاقي)، وبناء الإنسان. 

من خلال هذا النسيج المتنامي من الشراكات مع أوروبا، وآسيا، والعالم العربي، وإفريقيا، تثبت مصر أنها لا تسعى فقط لاستيراد المعرفة، بل لتكون شريكاً فاعلاً في إنتاجها ونشرها، ومركزاً إقليمياً لا غنى عنه في خريطة الابتكار والبحث العلمي العالمية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء