رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في القضايا المصيرية، لا تقاس قوة الدول بارتفاع الصوت، و إنما بوضوح الرؤية، ودقة الرسائل، وقدرتها على إدارة الأزمات بعقل بارد وإرادة صلبة، هذا بالضبط ما عكسه حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن ملف سد النهضة خلال أجتماع ضم رؤساء الوفود المشاركين بالمؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة «روسيا – أفريقيا» حيث جاء الخطاب هادئا في نبرته، لكنه شديد العمق في دلالاته، وحاسما في خطوطه الحمراء، ليؤكد أن مصر دولة تدرك حجم التحديات وتتعامل معها بمنهج الدولة العاقلة، لا بمنطق الانفعال أو ردود الفعل المتسرعة .

 

الرئيس السيسي قدم في خطابه قراءة شاملة للمشهد، تؤكد أن مصر لا تنظر إلى قضية سد النهضة باعتبارها أزمة فنية أو خلافا عابرا حول المياه فقط، و إنما باعتبارها قضية وجودية تتصل مباشرة بحقوق تاريخية وقانونية راسخة، و بالأمن القومي المصري في أبعاده الشاملة، ومن هنا، حرص الرئيس على توضيح أن مصر ليست ضد التنمية في إثيوبيا، ولا تعارض حق أي دولة إفريقية في تحقيق طموحاتها الاقتصادية، بل على العكس، كانت مصر دائما داعمة لمسارات التنمية في القارة الإفريقية، ومؤمنة بأن النهوض الإفريقي لا يتحقق إلا بالتعاون والشراكة لا بالصدام.

 

هذه الرسالة كانت ضرورية في ظل محاولات متكررة لتصوير الموقف المصري باعتباره موقفا معاديا للتنمية أو رافضا للتقدم في دول المنبع، وهو تصور مغلوط يتجاهل تاريخا طويلا من التعاون المصري مع دول حوض النيل، سواء من خلال المشروعات التنموية المشتركة، أو الدعم الفني وبناء القدرات، أو المساهمة في مشروعات البنية التحتية والمياه، وكلها قامت على قاعدة أساسية هي تحقيق المنفعة المشتركة دون إلحاق ضرر بدول المصب.

 

لكن الرسالة الأهم تمثلت في التأكيد على رفض مصر القاطع للإجراءات الأحادية، خاصة عندما يتعلق الأمر بنهر دولي يخضع لقواعد القانون الدولي، ومبادئ الاستخدام العادل والمنصف، وعدم التسبب في ضرر جسيم فمصر، التي تعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل، لا يمكنها القبول بفرض أمر واقع يمس أمنها المائي، أو يعرض حياة أكثر من مئة مليون مواطن لمخاطر حقيقية وهذا الرفض لا ينطلق من منطق الهيمنة أو فرض الإرادة، و إنما من احترام قواعد القانون الدولي، التي تشكل الإطار المنظم لعلاقات الدول في الأنهار العابرة للحدود.

 

اللافت في حديث الرئيس السيسي هو نقله للملف من إطاره التقليدي الضيق إلى إطار إقليمي أوسع، حين ربط قضية سد النهضة باستقرار القرن الإفريقي، وأمن البحر الأحمر، وسلامة الملاحة الدولية. هذه النقلة تعكس فهما استراتيجيا عميقا لطبيعة التفاعلات الجيوسياسية في المنطقة، وتؤكد أن أي توتر أو عدم استقرار ناتج عن إدارة غير رشيدة للموارد المائية لن يتوقف عند حدود دولة بعينها، بل سيمتد ليؤثر على أمن إقليمي ودولي بالغ الحساسية.

 

ومن هنا، فإن مصر لا تدافع فقط عن حقها المشروع في المياه، و إنما تدافع أيضا عن استقرار إقليمي يشكل ركيزة أساسية للأمن الدولي، خاصة في منطقة البحر الأحمر التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية وهذا البعد الاستراتيجي يمنح الموقف المصري ثقلا إضافيا، ويؤكد أن ما تطالب به القاهرة ليس امتيازا خاصا، بل التزاما بمسؤولية إقليمية أوسع.

 

وفي الوقت نفسه، شدد الرئيس السيسي على أن مصر لم ولن تلجأ إلى التلويح بالحلول العسكرية، لأن الدولة المصرية تؤمن بأن الحوار والتفاوض هما السبيل الأمثل لحل النزاعات، خاصة في القضايا المعقدة و المتشابكة غير أن هذا الالتزام بالمسار السياسي لا يعني التفريط في الحقوق، ولا القبول بإدارتها بمنطق المجاملات أو إطالة أمد التفاوض دون نتائج حقيقية لأن مصر، دولة صبورة لكنها ليست غافلة، و متمسكة بالحوار لكنها لا تفرط في أمنها القومي.

 

العبارة التي اختزلت جوهر الموقف المصري، وجاءت بمثابة قاعدة حاكمة للرؤية المصرية تجاه القارة الإفريقية، هي تأكيد الرئيس أن استقرار أي دولة إفريقية لا يكون على حساب مصالح دولة أخرى و هذه العبارة تعكس فلسفة مصر في إدارة علاقاتها الإفريقية، القائمة على التوازن والاحترام المتبادل، ورفض منطق المكاسب الصفرية الذي يؤدي في النهاية إلى صراعات ممتدة وعدم استقرار دائم.

 

في المحصلة تعامل الدولة المصرية مع قضية سد النهضة يعكس نموذجا لإدارة الأزمات الكبرى بعقل الدولة، ويبعث برسائل متعددة الاتجاهات: رسالة طمأنة للداخل المصري بأن الدولة واعية بحجم التحدي وقادرة على حمايته، ورسالة واضحة للخارج بأن مصر منفتحة على الحلول السياسية لكنها لن تقبل المساس بحقوقها، ورسالة أوسع لإفريقيا والعالم بأن التنمية الحقيقية لا تبنى على الإضرار بالآخرين، و إنما على التعاون والشراكة واحترام القانون الدولي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء