فكر قليلًا ثم أجب: كم مرة رددت على هاتفك فاكتشفت أن المكالمة لا أهمية لها، بل أن ضررها طالك بشكلٍ أو آخر؛ ذلك أن المكالمة قد قاطعتك في أمرٍ مهم، أو وأنت تقود سيارتك، أو تشتت انتباهك عندما جاءت في خدمة الانتظار وأنت بالفعل تجري مكالمة أُخرى، أو أيقظتك من النوم، وربما كنت مريضاً أو في يوم أجازتك، وربما كنت حزيناً ينفطر فؤادك على فراق حبيب، أو ربما لحظة فرح نادرة انتظرتها طويلاً، أو ربما كنت تنتظر مكالمة شديدة الأهمية تحمل خبر حياة أو موت أو قرار مصيري، ...إلخ وهكذا فلتمد الخيط إلى آخره.
لم يعد الانزعاج من المكالمات الترويجية سراً، حتى أن شكاوى الجمهور منها دفع الدولة إلى اتخاذ قرار بإلزام الشركات المروجة بتسجيل الأرقام كمكالمات تسويقية، وحسناً فعل الجهاز القومي للاتصالات بالقيام بجهد كبير في هذا الشأن، ولكن .. هل ما تم القيام به يكفي؟
ولا أناقش هنا منطقية وعقلانية الترويج عبر الهاتف لمنتجات وسلع من الصعب ترويجها عبر عينات عشوائية، على اعتبار أن هذا جهد مهدر وإزعاج لا طائل منه؛ وإنما أعني هنا كيف لنا أن نمنع المشكلة من جذرها؟ وهنا فكرت في أمر يشغل بالي كثيراً: بأي حق يطلب منك البائع رقم هاتفك المحمول عندما تدفع فاتورة مشتريات؟ بالتأكيد كلنا نمر بهذا الموقف في أي محل ملابس أو أحذية أو غيرها، وعندما ترفض يخبرك البائع بأن "السيستم" لن يسمح بطباعة الفاتورة! طبعاً من العبث مناقشة البائع على الخزينة باعتباره موظف في المكان وليس صاحب قرار، وهو عندما يخبرك بأن السيستم لن يسمح بطباعة الفاتورة فهو على الأغلب صادق، فالمشكلة أكبر من ذلك، وأتذكر أنني تعرضت لمشكلة في أحد فروع سلسلة محلات كبيرة وكنت مضطرة لشراء سلعة ما بشكل عاجل، فاشتريتها ورفضت إعطائهم رقم هاتفي وتنازلت عن الفاتورة، وأعرف أن غيري يفعلون ذلك.
والسؤال هنا مجدداً: بأي حق يحصل البائع على رقم هاتفي شريطة استخراج منتج قمت بدفع ثمنه! إنه تحدي صارخ على الخصوصية، وعلى القانون، وكلنا نعلم بالطبع أن هذهِ البيانات سيتم استغلالها لاحقاً في "الترويج الإجباري"، عبر الرسائل النصية، التي لن تُسأل عن رغبتك في استقبالها من البائع أم لا، وكذلك سيتم بيعها باعتبارها في حد ذاتها سلعة عالية القيمة، فكلنا يعرف أن البيانات في هذا الزمن هي من أغلى السلع، بل أن بعض العاملين في شركات ومحلات يبيعونها أو ينتقلون بها إلى أماكن العمل الجديدة التي ينتقلون إليها!
وفي سياق التطفل على البيانات الشخصية، ما صار مُستجداً في بعض عيادات الأطباء، من طلب تعبئة استمارات بيانات تتضمن "الحالة الاجتماعية" إلى جانب البريد الإلكتروني ورقم الهاتف، جنباً إلى جنب مع كتابة البيانات الطبية الضرورية الخاصة بالمريض! وستجد ذلك في عيادات أطباء باطنة ومسالك بولية وليس عيادات أمراض النساء، حتى لا يقول أحد أن ذلك يحدث في الأخيرة، وهو أمر في حد ذاته أيضاً يتعلق باختراق الخصوصية لا بمهام العلاج، حتى أن بعض عيادات أمراض النساء تطلب تسجيل اسم الزوج للكشف على المريضة!
نحن لدينا مشكلة كبيرة تتعلق بجمع البيانات، وانتهاك الخصوصية، فالأجوبة تُجمع بلا أحقية قانونية ولا لياقة اجتماعية، أحيانًا عن جهل، وفي أُخرى بسوء نية، وهنا يأتي دور الدولة لوضع القواعد الواضحة الصارمة، ومعاقبة منتهكيها.