رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الباحث المشارك لدراسة "Nature" يكشف حقائق صادمة حول مناخ المتوسط..حوار

الدكتور السيد عبدالحميد
الدكتور السيد عبدالحميد ربعة

في حوار خاص لـ "إيجبتك":

من "السماء" إلى "الأرض": إعادة توجيه بوصلة التخطيط المناخي في مصر.

 الأمطار بريئة من تهمة الجفاف الدائم.

لماذا تستهلك الحرارة مواردنا المائية أسرع من نقص المطر؟

تحليل 300 مليون قراءة مناخية عبر قرن ونصف.

خارطة طريق للمستقبل لحماية  أمننا الغذائي والمائي بذكاء

في إطار دور جامعة القاهرة الريادي في دعم البحث العلمي وتعزيز دوره في خدمة التنمية المستدامة، أعلنت كلية العلوم، تحت رعاية الدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس الجامعة، عن تحقيق إنجاز علمي جديد يُضاف إلى رصيد الجامعة من الأبحاث الدولية المؤثرة. تمثل هذا الإنجاز في نشر دراسة علمية رائدة بالمجلة العالمية المرموقة (Nature) خلال عام 2025، بمشاركة الأستاذ الدكتور السيد عبد الحميد ربعة، الأستاذ بقسم الفلك والفضاء والأرصاد الجوية، وبالتعاون مع كوكبة من كبار علماء الأرصاد الدوليين.

جاءت الدراسة تحت عنوان: "High temporal variability not trend dominates Mediterranean precipitation" (التباين الزمني المرتفع وليس الاتجاه العام هو ما يهيمن على تساقط الأمطار في منطقة المتوسط). وقد أجرى موقع "إيجبتك" حوارًا موسعًا مع الدكتور السيد عبد الحميد ربعة، الباحث المشارك  في الدراسة، لاستجلاء أبعاد هذا الكشف العلمي.

في البداية، ما أهمية هذه الدراسة؟ 

الدراسة تمثل نقلة نوعية في فهم ديناميكيات المناخ في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي يُعد أحد أكثر الأقاليم حساسية للتغيرات المناخية على مستوى العالم. كشفت الدراسة عن نتائج غير مسبوقة تتحدى الفرضيات السائدة حول الاتجاه الدائم نحو الجفاف في المنطقة، وتقدم إطاراً علمياً جديداً ودقيقاً للتعامل مع التغيرات المناخية. يسهم هذا الإطار في التخطيط المستدام للموارد المائية، وتطوير استراتيجيات مبنية على بيانات حقيقية بعيدة المدى، وتحسين السياسات الزراعية والبيئية من خلال التركيز على "مرونة الأنظمة الزراعية" تجاه التباين المناخي بدلاً من التركيز على اتجاه واحد دائم، مما يساعد في صنع قرارات دقيقة وواعية تدعم استراتيجيات التنمية في المنطقة.

 

ما أهمية نشر البحث في مجلة عالمية مثل (Nature)؟ 

نشر هذا البحث في مجلة (Nature)هو أمر يدعو للفخر، كونها من أعلى المجلات العلمية تأثيراً على مستوى العالم. هذا الإنجاز يعكس قوة منظومة البحث العلمي بجامعة القاهرة؛ لاسيما وأن هذا النوع من الأبحاث الذي يعتمد على تحليل كميات ضخمة من البيانات المناخية يمثل نموذجاً يحتذى به في الدراسات متعددة التخصصات. كما أنه يؤكد قدرة علماء الجامعة على تقديم معرفة علمية دقيقة وموثوقة تدعم جهود الدولة في التخطيط المستقبلي وإدارة الموارد الحيوية.

 

ما طبيعة هذه الدراسة والمحددات العلمية التي استندت إليها؟ 

اعتمدت الدراسة على تحليل أضخم مجموعة بيانات مناخية تم استخدامها في بحث من هذا النوع على الإطلاق؛ حيث شملت أكثر من 23,000 محطة أرصاد جوية موزعة على 27 دولة مطلة على البحر المتوسط، وتغطي فترة زمنية تصل إلى قرن ونصف (من عام 1871 إلى 2020). ويُقدر حجم هذه البيانات بأكثر من 300 مليون قراءة يومية للأمطار. تعاملنا مع هذه الضخامة بأسلوب علمي صارم، شمل فحص الجودة، واكتشاف القيم الشاذة، واختبار التجانس الزمني، ومعالجة الفجوات إحصائيًا لضمان دقة النتائج وقابليتها للمقارنة، مما أتاح لنا رؤية شاملة بعيدة عن الانطباعات قصيرة المدى.

 

ما الجديد الذي توصلت إليه الدراسة بخصوص معدلات الأمطار؟

 الجديد هو تصحيح التصور السائد؛ فبينما يعتقد الكثيرون أن المنطقة تعاني من تراجع مستمر في الأمطار نتيجة التغير المناخي، أثبتت دراستنا أن كميات الأمطار في إقليم المتوسط لم تشهد انخفاضًا واضحًا أو مستمرًا على مدى 150 عامًا النتائج.

أظهرت ثبات معدلات الهطول: ظل الهطول "ثابتاً" (Stationary) على المدى الطويل، والتباين الزمني المرتفع هو المؤثر الحقيقي.

 

دور الغلاف الجوي: التغيرات الملحوظة مرتبطة بالتقلبات الطبيعية للغلاف الجوي، وليست ناجمة بشكل مباشر عن التأثيرات البشرية (Anthropogenic Forcing).

 

إذن المشكلة ليست في الأمطار؟ ومن أين يأتي الجفاف؟

 بالفعل، الدراسة حذرت من أن المشكلة ليست في "السماء" بقدر ما هي على "الأرض". الجفاف المتزايد في المنطقة ناتج عن الارتفاع المستمر في درجات الحرارة المرتبط بالتغير المناخي، وليس نقص الأمطار. فمع ارتفاع الحرارة، تزداد معدلات التبخر من التربة والأنهار والمسطحات المائية (البخر والنتح)، مما يؤدي إلى فقدان كميات هائلة من المياه وجفاف التربة حتى لو استقرت كميات المطر. هذا التأثير يظهر بوضوح في الدول العربية، ومنها مصر، التي تعاني أصلاً من محدودية مواردها المائية، حيث "تستهلك" الحرارة المياه بوتيرة أسرع مما كانت عليه في الماضي.

 

ما التحذيرات التي خلصت إليها الدراسة؟ 

حذرت الدراسة من خطر انخفاض كميات الأمطار فعلياً خلال القرن الحادي والعشرين، ولكن هذا الانخفاض سيكون مصحوباً بتزايد "كبير" في درجات الحرارة، مما يعزز ظاهرة الجفاف بشكل مضاعف نتيجة تزايد البخر. وهذا يتطلب انتباهاً شديداً للمخاطر التي ستؤثر سلباً على المجالات الحيوية: الزراعة، الموارد المائية، النظم البيئية، والأمن الغذائي في دول المنطقة، وخاصة مصر.

 

كيف يمكن الاستفادة من هذه الدراسة عمليًا على أرض الواقع؟

البحث لا يقدم نتائج نظرية فحسب، بل يغير فلسفة التخطيط. هو يوجه صناع القرار نحو حقيقة أن التحدي الأكبر هو "زيادة الفاقد المائي بسبب الحرارة". ويمكن تطبيق ذلك من خلال:

 

تحسين إدارة المياه: تقليل الفقد بالتبخر عبر تبطين القنوات المائية وتطوير طرق تخزين المياه.

 

تطوير الزراعة: جعل الري الحديث (التنقيط والري الذكي) أولوية قصوى، واستنباط محاصيل تتحمل الحرارة العالية، وتعديل مواعيد الزراعة.

 

التخطيط المناخي الواقعي: عدم بناء السياسات على توقعات الأمطار فقط، بل التركيز على "التكيف مع الاحترار".

 

دعم الأمن الغذائي: فهم مسببات الجفاف يساعد في تقليل خسائر المواسم الزراعية والتخطيط الأفضل للتخزين الغذائي.

 

توعية المجتمع: تغيير المفهوم الشائع من "قلة المطر هي المشكلة" إلى "ارتفاع الحرارة هو التحدي الأكبر"، لتعزيز سلوكيات ترشيد الاستهلاك.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء