خطّت مصر ملحمة سلام في قطاع غزة، بجهود على مستوى دولي، على مدى أكثر من عامين، لوقف الحرب على القطاع، والسعي لتدفق المساعدات دون انقطاع للأهل في غزة، فكان أن تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في مدينة شرم الشيخ، بعدما تم التوصل إليه، باقتراح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
عمليًا وعلى أرض الواقع تم البدء بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بخطوات سلحفائية من الجانب الإسرائيلي، في بدايات التطبيق، لتنعدم هذه الخطى على بطئها مع مضي الوقت بإصرار إسرائيلي على خرق الاتفاق لجهة الاستمرار في قصف قطاع غزة، وبقاء جزئية كبيرة من العقبات أمام إيصال المساعدات للأهل في غزة، فيما لم يحرّك للأسف المجتمع الدولي ساكنا تجاه هذه الخروقات، ولم يبق في ميدان البحث عن السلام سوى جهود مصرية أردنية عربية لضمان تنفيذ الاتفاق، والسعي للبدء بتطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق.
من الواضح أن الحديث عن المرحلة الثانية من الاتفاق تضعنا أمام واقع متشابك، يسوده الغموض، والضبابية، ذلك أن هذه المرحلة وفقا لما أُعلن عنه من معلومات هي مرحلة أكثر تعقيدًا من الأولى، فما بالك إذا ما رافق تطبيقها عرقلة إسرائيل لتطبيق المرحلة الأولى، علاوة على تشابك وتداخل الواقع الأمني والسياسي والإنسان والإغاثي في غزة، هذا يجعل من الانتقال للمرحلة الثانية يقف على مفترق طريق التنفيذ من عدمه، فواقع الحال وتنصّل إسرائيل من التزامتها الواردة في الاتفاق، يجعل منها مرحلة دقيقة حسّاسة.
بحسب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصريحات المسؤولين الأميركيين، فإنه من المفترض أن تشمل بنود المرحلة الثانية، إنشاء مجلس السلام وذراعه التنفيذية قوة الاستقرار الدولية (قوة حفظ السلام)، انسحاب جيوش الاحتلال إلى الخط الأحمر لتصبح مساحة المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل تعادل نحو 20% من مساحة قطاع غزة ويحظر عليها احتلال القطاع أو ضمه بشكل دائم، ونقاط تتعلق بنظام الحكم ما بعد الحرب وتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية، وبدء خطة إعادة إعمار القطاع وإزالة الركام والأنقاض، وغيرها من نقاط في مجملها تنقل واقع الحال الغزّي نحو الكثير من الإيجابية، وعودة الحياة ولو بالنزر اليسير لجزء من طبيعتها، أو الدفع باتجاه ذلك، والسؤال هنا متى سيحدث ذلك؟ ومتى ستنتقل غزة للمرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب؟ وإسرائيل لم تلتزم إلاّ بما يخدم مصالحها من الاتفاق في مرحلته الأولى!!!
نقاط مهمة، تبدأ بتشكيل مجلس السلام، الذي ما يزال يدور في فلك الفرضيات والتوقعات، ووفقا لتصريحات للرئيس ترامب من المتوقع أن يُعلن عن تشكيله مطلع العام القادم، ويرى مراقبون أن وجود المجلس قد يدفع باتجاه إلزام إسرائيل بالالتزام في اتفاق وقف الحرب، بكافة نقاطه وتفاصيله، ويصبح كذلك الحديث عن البدء بالمرحلة الثانية الذي أقرّ مع وقف التنفيذ حتى اللحظة، يصبح ممكنا وتطبيقه متاحا، ذلك أن إسرائيل تعرقل الدخول للمرحلة الثانية، كونها تتعارض مع مخططاتها الاحتلالية، وتقليص سيطرتها العسكرية على القطاع، إضافة لما تتضمنه من تشكيل حكومة فلسطينية وهو ما ترفضه ولا تتقبله إسرائيل، لتبقي العصا في دولاب الدخول للمرحلة الثاني، وتتخذ خطوات من شأنها إعاقة التنفيذ، بشكل واضح.
المرحلة الثانية ستضع الترتيبات الأمنية والإدارية والتنظيمية لقطاع غزة، ومع الوقوف على أعتاب تنفيذها وفقا للاتفاق الموقع في شرم الشيخ، يبدو واضحا أن الانتقال لها يبدو صعبا، في ظل ما تصرّ إسرائيل على الاستمرار به من حربها المدمرة على غزة، وعرقلتها لكل مساعي السلام، وتنصلها من بنود الاتفاق بسبة كبيرة، ما يتطلب تدخلا دوليا أمريكيا من جديد لإجبار إسرائيل على تنفيذ المرحلة الأولى، وكذلك على بدء تنفيذ المرحلة الثانية، التي ستضع غزة في مكان أكثر أمنا ويوفر فرص إيصال المساعدات وبدء الإعمار، وذلك لن يكون إلاّ بإلزام إسرائيل على الانتقال للمرحلة الثانية، وإنجاحها بطبيعة الحال، وكل هذا سيقود دون أدنى شك لإحلال سلام عادل وشامل على أساس حل الدولتين.