رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قصر «ألكسان باشا».. تحفة معمارية أسيرة الروتين وحلم «المتحف القومي» المعلق

قصر ألكسان بأسيوط
قصر ألكسان بأسيوط

على ضفاف نيل  أسيوط، يقف قصر "ألكسان باشا" شامخاً بطرازه الأوروبي الفريد، كشاهد حي على حقبة ذهبية من تاريخ مصر المعاصر. هذا القصر الذي شُيد عام 1910 على مساحة تتجاوز 7 آلاف متر مربع، ليس مجرد بناء من الحجر والرخام، بل هو ملحمة فنية شارك في رسم ملامحها نخبة من فناني إيطاليا وفرنسا وإنجلترا. ورغم قيمته التاريخية التي أهّلته لاستقبال الملك فاروق يوماً، ومنح صاحبه لقب "الباشوية" تقديراً لجمال قصره، إلا أنه بات اليوم يجسد صراعاً مريراً مع الروتين الحكومي الذي حوّل الحلم القومي إلى مشروع معلق بانتظار قبلة الحياة.

 

عبق التاريخ وجماليات الطراز الأوروبي

يعد القصر أيقونة معمارية نادرة في قلب الصعيد؛ حيث تزدان واجهاته بزخارف وكرانيش دقيقة، وعقود نصف دائرية تعكس تمازج الحضارات. وفي الداخل، يضم القصر مقتنيات أثرية ومفروشات تعود لعصور خلت، تحكي قصة الرقي الذي ميز تلك الفترة. إلا أن هذا الصمود أمام عوامل الزمن لم يشفع له أمام الإهمال الذي طاله لسنوات، حيث بدأت واجهاته في التآكل بفعل الرطوبة وعوامل التعرية، وتحولت حديقته التاريخية في فترات سابقة إلى مساحة مهجورة، قبل أن تبدأ مؤخراً محاولات خجولة لرفع كفاءة الإضاءة الخارجية وتركيب النوافذ المفقودة لتأمين المبنى من الداخل.

 

قرارات حبيسة الأدراج ومعاناة "محلك سر"

المفارقة الدرامية في قصة قصر ألكسان تكمن في المسار الإداري؛ فقد صدر قرار المجلس الأعلى للآثار بضمه عام 1995، وتبعه قرار من مجلس الوزراء عام 2008 بتحويله إلى "متحف قومي لمحافظة أسيوط". ومع ذلك، ظل المشروع حبيساً لمصطلح "محلك سر"؛ حيث بدأت أعمال الترميم وتوقفت مراراً وتكراراً تحت وطأة نقص التمويل، أو تغير القيادات الإدارية، وصولاً إلى التحديات التي فرضتها التحولات السياسية في عامي 2011 و2013. هذه التوقفات المستمرة أدت إلى تهالك أجزاء من السلالم الرخامية والزخارف الجصية، مما ضاعف من كلفة الترميم الدقيق الذي يحتاجه المبنى حالياً.

 

كنوز أسيوط المنسية في "مخازن شطب"

تضم محافظة أسيوط إرثاً حضارياً هائلاً يتجاوز 7 آلاف قطعة أثرية تنتمي للعصور الفرعونية والقبطية والإسلامية، لكن هذا الكنز يفتقد لمنصة عرض تليق به. فحتى اللحظة، تظل معظم هذه القطع مخزنة في "مخزن شطب" الأثري أو في متحف "مدرسة السلام" المتواضع، بعيداً عن أعين الجمهور والسياح. ويرى أهالي المحافظة أن غياب متحف قومي هو "إقصاء لتاريخ الصعيد"، معبرين عن استيائهم من وجود هذه التحفة المعمارية مهجورة بينما تملك المحافظة كل المقومات لتكون وجهة ثقافية عالمية، متسائلين عن الجدوى من تأخير تحويل القصر لمتحف يلم شتات آثارهم المبعثرة.

 

صرخة الآثاريين والحل الغائب

من جانبه، يؤكد خالد أبو زيد، مدير بمنطقة آثار أسيوط، أن العمل في القصر يواجه تحديات تمويلية ضخمة، فرغم الجهود المبذولة لتنظيف الحديقة وتأمين المبنى، إلا أن تحويله لمتحف يتطلب ميزانية استثنائية تفوق المخصصات التقليدية، ويشير إلى أن "الروتين والبطء الإداري" غالباً ما يكون أقوى من الأهداف الطموحة، رغم أن ترميم القصر ليس مجرد صيانة لمبنى، بل هو استرداد للهوية التاريخية لأسيوط. ويظل المبلغ المطلوب ضئيلاً إذا ما قورن بالعائد الثقافي والاقتصادي والسياحي الذي سيحققه افتتاح أول متحف قومي بالمحافظة.

 

إن قصر ألكسان باشا ليس مجرد أطلال من الماضي، بل هو "ذاكرة أسيوط" التي ترفض الانكسار. وتحويله إلى متحف لم يعد مجرد مطلب ثقافي لنخبة من المثقفين، بل هو ضرورة تنموية ملحة تضع أسيوط على خريطة السياحة العالمية، الكرة الآن في ملعب وزارة السياحة والآثار ومحافظة أسيوط لفك طلاسم الروتين، والانتهاء من هذا المشروع القومي الذي طال انتظاره، لفتح أبواب التاريخ أمام الأجيال القادمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء