رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فاطمة ناعوت تختص «إيجبتك» بفصل من روايتها الجديدة «قبو الورّاق»

رواية قبو الوراق
رواية قبو الوراق للكاتية فاطمة ناعوت

اختصت الكاتبة والشاعرة فاطمة ناعوت، "إيجبتك" بفصلا من روايتها الأحدث «قبو الورّاق» الصارد ة في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام عن دار سما للنشر؛ وفيما يلي نص الفصل كاملا: 

 

رواية «قبو الورّاق»

هناك مَن يسكنونك قبل أن تلتقيهم، وحين يظهرون أمامك، لا يأتون من الباب… بل يخرجون من بين ضلوعك، بعضُ الأشخاص يُكتَبون في حياتك بالحبر نفسه الذي كُتبت به الأقدار؛ لا يمكنك تمزيق الصفحة، ولا إعادة قراءتها دون أن يتغيّر وجهك.
 
المشهد الثالث
يوسف الورّاق
 
"يوسف”: كأن القدر قد أعاد تسمية النبيَّ الحالمَ، السجيَن، المُفسِّر… لكن يوسفَنا ليس في سجنٍ جدرانُه من حجر، بل في سجن نسخة زمنية لا يراها سواه. 
 
"الورّاق”: مهنة قديمة ونبيلة، من زمنٍ كانت فيه الكلماتُ عُملةً، والورق أرضًا خصبة، أما الآن، فقد غدت مهنة منسية في مدينة هجرت القراءة. "يوسف" هو آخر الورّاقين، وربما آخر الشهود على زمنٍ لم يعد موجودًا. 
 
لماذا اخترتُ أن أبقى "يوسف الورّاق" لا "يوسف الكاتب"؟ ربما لأن الكتابة فعلُ كشف، لكن الورق يحتمل الكتمان. اخترتُ أن أكون ورّاقًا لا كاتبًا، لأن الكاتب يفضح النوايا، أما الورقُ فيسترها.

في جيبي قصاصةٌ من كتاب مات مؤلفه منذ قرن. لا أعرف لماذا أحتفظُ بها، كأنها مفتاحٌ لباب لا أجرؤ على فتحه.
أحيانًا يهمسُ لنفسه:
- هل أنا أعيش… أم أُعيدُ كتابتي؟
 
"يوسف" يشك في كل شيء: في ذاكرته، في واقعه، في هُوية أبيه، وحتى في كينونته هو. قلقه وجوديٌّ، لكنه مغطّى بسلوك الحكماء. لا يكتب إلا بقلم حبر قديم، لأن الحبر عنده دمُ اللغة، يخشى جفافَه كما يخشى موتَها، يمزق أحيانًا صفحات من كتبه المفضلة، ويخبئها في جيبه كتعويذات ضد النسيان
 
"يوسف" يرى الأرقام بطريقة غريبة. للأرقام أرواحٌ حيّة نابضة، يربط بين التاريخ والأرقام، ويرى في الرقم ٦ نذير شؤم، إذ يؤمن أن "النسخة السادسة" هي لحظة انهيار النص والمدينة والاسم. هي النهاية.
 
اختفى أبوه حين كان "يوسف" في العاشرة، لا موت معلَن، ولا قبر. فقط غياب. كأن أحدهم محا سطرًا من كتاب الحياة. ومنذئذ، راح يخشى الأماكن المغلقة… لا يغلق باب غرفته أبدًا. 
 
توفيت أمُّه بعد غياب الأب بسنوات قليلة، لكن قبل موتها قالت له جملة صارت سُمًّا بطيئًا في ذاكرته:
- أبوك لم يمُت… لم يختفِ… بل نُسي.
 
منذ ذلك اليوم، صار الزمنُ عنده لا خطًّا، بل صفحة تُمسح وتُعاد كتابتها. يدوّن يومياته لا بالتواريخ، بل بجمل مشهدية:
- اليومَ الذي سقط فيه كتاب ٌ من الرف الثاني.
- اليوم الذي انطفأ فيه ظلُّ الشجرة قبل غروب الشمس.
 
وصار يكره الساعات. لا يملك ساعة في بيته ولا حول معصمه. يعرفُ المواقيت ويضبط وقته بالشمس والظل.
 
"يوسف" يرى نفسَه في حلم ثابت لا يتغير، يمشي في شارع لا ينتهي، على جانبيه مكتبات، وكل مكتبة تحمل اسمَه، لكنه لا يجد بابًا مفتوحًا، حتى يصل إلى مكتبة أخيرة مكتوب عليها: 
“نسخة يوسف الأخيرة.”
 
"يوسف" صموت. لكنه يتكلم في رأسه كثيرًا، ويكتب جملًا قصيرة تشبه التعاويذ:
- كلما قرأتُ أكثرَ، ضاعت ملامحي.
- أنا ظلٌ يدوّن اسمَه كل صباح، خشية النسيان.
- المكتبة لا تحبُّني… إنها تسجنني وتخنقني برفق.
 
رجل يُعيد ترتيب العالم كأنّه كتاب، لكنه لا يدرك بعد أنه هو نفسه حرفٌ في مخطوطة أكبر، وأن كل ما يعرفه قد كُتب قبله، بطل مشاكس، لا بالسيف بل بالشك.
 
لم يكن اسمه "يوسف" دائمًا، في "دورة الحذف" القديمة، كان يُسمّى “نُهى بن الخطّ”، كان يومًا ما طفلًا يركض في الأزقة، يحمل رزمة أوراق بيضاء، كأنها كنزه الوحيد.
 
كان عمره ٨ سنوات، حين حدثت أول حذوفة شهدها.
استيقظ على صوت خربشة، ووجد أباه يمحو اسمَه من باب البيت.
 
سأله:
- لِمَ؟
قال الأب:
- الاسم ثقيل… وقد أمروا بمسحه، لنبدأ من جديد.

هرب "نُهى" إلى المدرسة، فوجد جميعَ الأطفال بلا أسماء، النداء الصباحي كان صمتًا جماعيًّا.
وقالت المعلمة:
- أنتم لستم أرقامًا… أنتم فراغ.
 
 
في الليل، كتب "نُهى" اسمه على ورقة صغيرة، ووضعها تحت لسانه…ونام، وفي الحلم، رأى مدينة تسقط، بسبب اسمه… لأن اسمه كان الوحيد الذي بقي. حين استيقظ…أخفاه، وغيّر اسمه.
 
 ومنذ تلك الليلة، صار اسمه: “الورّاق”. ليس له اسم، بل وظيفة: حافظ الأسماء.
 
ثم نذر حياته لكتابة أسماء الآخرين… كي لا تُمحى كما مُحي اسمُه، ونسي ملامح وجهه، ولم يعد يُرى إلا وسط أكوام الورق… كظلّ يُدوّن حيوات الآخرين، ولا يكتب نفسه أبدًا.
 
 
بين يديه الآن، نفس الورقة القديمة التي وضعها تحت لسانه قبل عقود، وقد اصفرّت، وتغضّنت، لكن الاسم عليها مازال واضحًا: "نُهى بن الخطّ”.
 
"يوسف" هو "نُهى”. وهو الورّاق، وهو الذي كَتب، ولم يُكتب.
 
حين انغلق بابُ القبو خلفه، لم يعد الداخل رجلًا من لحم ودم، بل صفحةً بيضاء تمشي على قدمين، الضوء الخافت يلتهم أطرافه، وصوت أنفاسه يختلط بصرير الأقلام على الورق العتيق، منذ ذلك اليوم، لم يعد يُعرف باسمه، وإن كان في الدفاتر القديمة مكتوبًا: "يوسف”، في أعين الجميع هو “الورّاق”… حافظ الأسماء، وناسٍ لملامحه، يكتب أسماء الآخرين كي لا تُمحى، ويتحاشى كتابة اسمه، كأن نجاته في نسيانه. 


على طاولة القبو، كان “باب التكرار” ينتظر، صفحاته المُصفرَّة تحبس في أحشائها الأسرار نفسها التي دونها ألف مرة، كأنما العالمُ لا يملّ إعادة مشهده الأخير، مد "يوسف" يده إلى الباب، لا يدري أهو الباب الخشبي في القبو بمفتاحه الصدئ، أم ذاك الاسم الغامض المرسوم على الخريطة المحرَّفة،  وفجأةً سمع وقع خُطى بعيدة تشبه صدى حياته… وبدأت الدائرةُ تدور من جديد.
 
قيل في الأثر:
كلُّ اسم يحمل في داخله بذرة زواله.لكي يتحررَ الاسمُ، لابد أن يُمحى،ولكي تُنقَذ الذاكرة، يجب أن تُنسى، فاللغة سجنٌ يحبس الأشياء، ولا يتمُّا لخلاص إلا بمحو الأسماء والصفاتوالحروف، ليعود الإنسان إلى صفائهالأول ويذوب في الوجود الأعلى. 
"كنتُ كنزًا مخفيًّا، فأحببتُ أنأُعرف.”
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء