يتميز الوعي الإيراني بالجمع بين التاريخ والأسطورة، بحيث لا يُنظر إلى الماضي بوصفه زمنًا منقطعًا، بل كمخزون رمزي حي. ففي الشاهنامة الفارسية للفردوسي، يظهر الملك أژدهاك (الضحاك) ليس كشخصية تاريخية، بل كتجسيد للاستبداد والشر المطلق، في حين يتحول النبي الفارسي زرادشت من مؤسس للزرادشتية إلى مبدأ أخلاقي كوني يحدد معايير الخير والصلاح.
وبهذا المعنى، انتقلت الشخصيات من كونها رموزًا أسطورية إلى لغة دلالية قابلة لإعادة التوظيف عبر العصور، وصولًا إلى إيران المعاصرة. وللحق، هذا التوصيف لا يلامس شعارات الجمهورية الإسلامية الظاهرة بقدر ما يكشف البنية الذهنية العميقة التي تحكم تصورها للعالم.
لهذا يمكن القول، دون مبالغة تحليلية، إن إيران اليوم تعيش داخل سردية “الضحاك”، مع مفارقة لافتة تتمثل في أن نظام الجمهورية الإسلامية يوظف الخطاب الزرادشتي على مستوى رمزي ضمني، في الوقت الذي يرفضه عقائديًا في خطابه الرسمي.
صحيح أن الجمهورية الإسلامية لا تقدم نفسها بوصفها امتدادًا للزرادشتية، خصوصا وأنها تعاملت مع ما قبل الإسلام باعتباره “جاهلية”. غير أن هذا الرفض الظاهري لا يلغي حقيقة أن النظام، على مستوى اللاوعي السياسي والثقافي، يعمل داخل قالب فارسي أقدم من لحظة الأسلمة نفسها، ويستدعي بنياته الرمزية عند تعريف الصراع والعدو والذات.
ضمن هذا الإطار، لا يُقدم الضحاك كشخص، بل ككيان شر كوني خارجي، فالولايات المتحدة توصف بـ“الشيطان الأكبر”، وإسرائيل توصف بـ“الامتداد السرطاني للشر”، والغرب عمومًا يعتبر منظومة “دروغ” (الكذب/الفساد).
اللافت هنا أن هذا التوصيف لا يُبنى على أساس سياسي أو استراتيجي فحسب، بل على أساس أخلاقي كوني؛ خير مطلق في مواجهة شر مطلق، وهو منطق يتطابق جوهريًا مع البنية الثنائية للزرادشتية.
في المقابل، لا يظهر زرادشت باسمه الصريح داخل الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية، لكنه حاضر بوظيفته البنيوية، في صراعه على “الحق”، وصموده بوصفه واجبًا كونيًا، للحفاظ على نظام العالم من الانهيار.
هذه البنية تتقاطع بوضوح مع خطاب القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، الذي يضع إيران في موقع “حارس الأشا” (الحارس الأخلاقي للكون)، إذ تستبطن خطابته تاريخيا جوهر الزرادشتية ويعيد صياغتها داخل قالب شيعي ثوري. يرى العالم ساحة معركة أخلاقية، ويعتبر الحياد خيانة للنظام الكوني.
المثير في هذا الطرح، أن سلوك النظام، خصوصًا منذ دخول عقوبات مجلس الأمن إلى حيز التنفيذ، يوحي بإيمان راسخ بأن الصراع بلغ مرحلة صفرية، وهي: إما انتصار كامل، أو انهيار كامل.
من هنا يصبح رفض الحلول الوسط، ورفض التفاوض، ليس موقفا تكتيكيًا مرتبطًا بموازين القوى، بل تعبيرًا عن رؤية ترى أي تسوية كتنازل أخلاقي أمام هيمنة الشر الكوني المتمثل في الولايات المتحدة وحلفائها.
وهنا تتقاطع السردية السياسية مع البنية الملحمية للشاهنامة؛ فالضحاك، في النص الملحمي، لا يُصلح ولا يُحتوى ولا يُفَاوَض، بل يُسقط ويُقيد إلى الأبد. وبالمثل، في خطاب ولاية الفقيه، لا يمكن “تطبيع” أمريكا، ولا “تحييد” إسرائيل، لأن الصراع في جوهره صراع صفري لا يقبل التسوية.
غير أن هذه السردية تفتح بابًا إشكاليًا بالغ الخطورة، يتمثل في رؤية النظام لنفسه، فريدون العصر الحديث، أو حامل رسالة زرادشت الأخلاقية إلى العالم. بالتزامن مع نظرة شرائح واسعة داخل المجتمع الإيراني إلى ذاته بوصفه ضحاكًا جديدًا؛ أي سلطة تمارس القمع، وتحتكر الحقيقة، وتصادر العقل.
من هذا المنطلق، يمكن فهم لماذا أعادت إيران تأطير خطابها السياسي عقب حرب “الإثني عشر يومًا”، وربطه بسيادة الدولة والهوية الفارسية، لا بوصفه مجرد ضرورة سياسية، بل كمحاولة لإعادة ترميم السردية، أي الانتقال من صورة الضحاك المتحول، إلى استدعاء نموذج “زرادشت العصر الحديث”، في محاولة لاستعادة الشرعية الأخلاقية المفقودة.
بهذا المعنى، لا تتحرك الجمهورية الإسلامية نحو الفكر الزرادشتي، بل تعييد إنتاج منطقها الأخلاقي الفارسي القديم بلغة شيعية حديثة، وهذا لا ينفي حساباتها النفعية، لكنه يؤطر لسقفها الأخلاقي.
ولعل هذا يشرح السبب وراء عجز النظام البنيوي عن التحول إلى دولة عادية. بمعنى أن إيران دولة لا تعاند الواقع، بل أسطورة تحاول حكم عالم حديث، بمنطق فلسفي أخلاقي، وحينما تعجز الأسطورة عن تفسير الألم، تبدأ في إعادة صياغة روايتها من جديد.