في ذكرى معركة قونية.. الفلاحون المصريون يهزمون 64 ألف جندي عثماني
تحل اليوم، 21 ديسمبر، ذكرى واحدة من أعظم المعارك في التاريخ العسكري الحديث، وهي معركة قونية عام 1832م، التي حقق فيها الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا نصرًا حاسمًا على الجيش العثماني، في واقعة شبّهها المؤرخون بـ«قادش الثانية» لما حملته من دلالات عسكرية وسياسية كبرى.
نصر غير متكافئ
استمرت المعركة نحو ثماني ساعات، وتمكّن خلالها الجيش المصري، المكوَّن أساسًا من جنود فلاحين لا يتجاوز عددهم 25 ألف جندي، من هزيمة جيش عثماني بلغ تعداده نحو 64 ألف جندي، مدعومًا بـ 100 مدفع، إضافة إلى 14 لواء مشاة و28 سرية فرسان، وفق ما ذكره المؤرخ الفرنسي جيلبرت سينويه في كتابه الفرعون الأخيرن، وانتهت المواجهة بأسر محمد رشيد باشا، الصدر الأعظم وقائد الجيش العثماني، بعد ساعتين فقط من اندلاع القتال، في ضربة معنوية وعسكرية قاصمة للدولة العثمانية.

التخطيط والحسم
رغم تحذيرات محمد علي باشا لنجله من التقدم شمالًا خوفًا من تدخل القوى العظمى، أصرّ إبراهيم باشا على مواصلة الزحف في بلاد الشام والأناضول، رافعًا لواء القومية العربية في مواجهة الحكم العثماني، وبعد دراسة دقيقة لطبيعة مدينة قونية، التي تقع على سهل مرتفع بنحو ألف متر عن سطح البحر، وضع خطة محكمة لنشر المدفعية والاحتياطيات، مستفيدًا من ضعف تحصينات المدينة، وقد نصبت المدافع المصرية في الميمنة والقلب، مع وضع وحدات الاحتياط والحرس في تشكيلات مربعة لحماية الجناحين، تحت قيادة سليم بك الحجازي.
الطقس في خدمة المصريين
لعبت الظروف المناخية دورًا حاسمًا في المعركة؛ إذ غطّى ضباب كثيف سهل قونية، وانخفضت درجة الحرارة إلى 11 درجة مئوية، ما أعاق الرؤية بين الجيشين. غير أن هذا الضباب منح القوات المصرية أفضلية، بعدما اعتادت الأرض نتيجة الانتظار، بينما فوجئت القوات العثمانية بتحركات خصمها، وعندما انقشع الضباب جزئيًا، لمح إبراهيم باشا مواقع الجيش العثماني، فأطلق هجومه الحاسم، لتنتهي المعركة بانتصار مصري ساحق بعد ثماني ساعات من القتال العنيف.
عبقرية عسكرية
يرى جيلبرت سينويه أن معركة قونية كانت أول معركة دفاعية يخوضها إبراهيم باشا، وقد أدارها بعبقرية لافتة، مشيرًا إلى أنه لو ظل متحصنًا داخل المدينة لخسر المعركة، ويؤكد المؤرخ أن إبراهيم استلهم الكثير من الفكر العسكري لـ نابليون بونابرت، ما جعله بعد قونية قوة لا يمكن إيقافها حتى مضيق البوسفور، لولا رفض والده التقدم نحو إسطنبول.

ما بعد قونية
عقب النصر، دخل إبراهيم باشا مدينة كوتاهية، ليصبح على بُعد نحو 290 كيلومترًا من الأستانة، ثم أرسل قوات احتلت ماغنيسيا قرب إزمير، حيث رحّبت المدينة بالحكم المصري، إلا أن التدخل الدبلوماسي الفرنسي، خشية اتساع النزاع وتدخل روسيا، أنهى هذا التقدم، وعاد الحاكم العثماني إلى إزمير في مارس 1833م.
الوثائق والتاريخ المُغيَّب
في العصر الحديث، كشف المؤرخ أسد رستم، أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية في بيروت، من خلال وثائق نادرة جمعها خلال ثلاثينيات القرن الماضي، كثيرًا من الحقائق غير المتداولة عن الحكم المصري في بلاد الشام، وأقرّ رستم بأن السلطات التركية قامت بعد عودتها للمنطقة بإتلاف وثائق تاريخية عمدًا بهدف طمس تلك المرحلة.
وبتشجيع من المؤرخ الكبير شفيق غربال، تولّى رستم توثيق هذه الوثائق وفهرستها، قبل أن يُكلف تلميذه صبحي أبو شقرا عام 1950 بترقيمها، لتظل شاهدًا حيًا على واحدة من أبرز صفحات التاريخ العربي الحديث.