رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تتواصل التحركات الدبلوماسية حول ملف اليوم التالي في قطاع غزة بوتيرة متسارعة، دون أن تنجح حتى الآن في تقديم تصور عملي أو خطوات تنفيذية واضحة للخروج من الأزمة. فبعد اجتماع الدوحة الذي عقد الثلاثاء الماضي، استضاف المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف قمة جديدة يوم الجمعة الماضي في ميامي، بمشاركة مسؤولين كبار من قطر ومصر وتركيا، لبحث المرحلة الثانية من خطة غزة.

هذه الاجتماعات رغم أهميتها الرمزية، لا تزال تواجه صعوبات بشأن تجاوز المربع الأول: مشاورات، طروحات نظرية، وسيناريوهات غير ملزمة. وهذه الصعوبات تكشف عن تباين في المواقف بين الأطراف، وعدم وجود إرادة دولية حاسمة تفرض توافقاً حقيقياً على الأرض، مما يجعل الانتقال إلى المرحلة الثانية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

تتمحور العقبة الأساسية في تعارض للخطوط الحمراء لإسرائيل، فهي ترفض القبول بأي ترتيبات تضمن لحماس البقاء أو إعادة التشكل ضمن كيان سياسي أو أمني في غزة، وترى أن أي انسحاب من القطاع يجب أن يكون مشروطًا بإقصاء الحركة وتفكيك بناها العسكرية بالكامل. كما أن إسرائيل تعارض بشدة مشاركة تركيا في ترتيبات اليوم التالي.

اختيار ميامي كمقر لاجتماع مهم حول غزة يعكس تحولًا في طريقة تفكير الإدارة الأمريكية، أو بالأحرى التيار الترامبي العائد. فالاجتماع خارج العواصم السياسية التقليدية (نيويورك، واشنطن) يحمل دلالة على فصل الملف عن الضغط الأممي والإقليمي والأوروبي، ومحاولة إدارة المرحلة الثانية من زاوية فرض الواقع وليس التفاوض عليه.

من هنا يُفهم أن السياسة الأمريكية تتجه نحو فرض السلام لا التفاوض عليه، أي أنها قد تلجأ في حال استمرار الجمود، إلى اتخاذ قرارات أحادية، وفرض سلطة انتقالية أو قوة دولية تحت مظلة مجلس السلام.

المفارقة اللافتة هي وجود تشابه غير معلن بين موقفي إسرائيل وحماس حول تأجيل الانتقال إلى المرحلة الثانية، رغم العداء المعلن بينهما. فكلا الطرفين لا يرى مصلحته في تسريع ترتيبات ما بعد الحرب: فحماس تخشى خسارة مكاسبها السياسية والعسكرية إن شاركت في ترتيبات تنزع سلاحها. وإسرائيل تفضل إبقاء القطاع تحت إدارة انتقالية فوضوية، دون أن تتحمل مسؤولية مباشرة عنه، لكنها ترفض في ذات الوقت عودة السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية، أو دخول قوى غير مرغوب فيها كتركيا وقطر في ترتيبات الحكم. وبذلك يبدو أن اللا اتفاق هو الخيار الذي يناسب الطرفين حالياً، ما لم يحدث تدخل أمريكي حاسم يُجبر الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة.

إن المرحلة الثانية من خطة غزة لن تبدأ فعليًا ما لم تُصدر الولايات المتحدة قرارًا حازمًا يُلزم جميع الأطراف بسقف زمني وترتيبات واضحة. فالتجربة أثبتت أن إدارة الملف بأسلوب الوساطة المستمرة لا يكفي، وأن غياب الضغوط الملزمة سيؤدي إلى بقاء الوضع في حالة تجميد مرهق، على حساب الشعب الفلسطيني.

فغزة ليست مجرد ملف سياسي بل ساحة إنسانية ملتهبة، وأي تأخير في إرساء الاستقرار يُعمّق المأساة، والمطلوب الآن ليس فقط هندسة سياسية جديدة، بل إرادة دولية صلبة تُدرك أن الوقت لم يعد في صالح أحد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء