رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أرسى الرئيس عبدالفتاح السيسي في أبريل 2024 مبدأ "التوازن الإستراتيجي" كاستجابة حيوية لحالة الاضطراب وعدم الاستقرار بمختلف التفاعلات الحيوية إقليميا ودوليا، والتي كان قد تم التأكيد على مبادئها من قبل ضمن خطاب سيادته إبان إجتماعات الدورة الـ75 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في 2020. لتؤسس القاهرة بذلك عقيدة سياسية تُبنى على قواعد ومبادئ مستقرة وثابتة، بمنأى عن المعادلات الصفرية فى نظام عالمى قيد التشكيل أضحت سمته الرئيسية "الإعتمادية المتبادلة"، وهى تلك المرئيات التى صاغها الكتاب الأبيض الصادر عن وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين فى الخارج، فى ديسمبر الجارى بعنوان "الإتزان الإستراتيجي: ملامح من السياسة الخارجية المصرية فى عشر سنوات".  

عطفا على ذلك، فقد أولت القاهرة أهمية كبرى لمنهاجية "المسؤولية المشتركة" فى إدارة كافة الملفات ذات الأولوية بالإقليم، صراعية كانت أو تعاونية تنموية، خاصة مع تشابك الملفات وتداخل العلاقات وتنوع الفاعلين إقليميا ودوليا. لتعكس السردية المصرية مواقفها الراسخة وسط تفاعلات سياسية وأمنية متباينة - على كافة المستويات والأقاليم الفرعية- عجز النظام الدولي عن التعامل معها بإنصاف، فضلا عن رصدنا لاعتماده المتزايد على الانتقائية والمعايير المزدوجة.

الإقليمية المصرية:  

تحظى القاهرة بـ "تموضع إستثنائى" وذلك بالنظر إلى جيوسياسية الإضطرابات والأزمات النوعية التى تحيط بكافة الإتجاهات الإستراتيجة للدولة المصرية، حيث ليبيا غربا، السودان جنوبا، وغزة شرقا. فضلا عن المهددات الحيوية بالبحر الأحمر، وكذلك دون إغفال تهديدات الجماعات الإرهابية والحركات الإسلامية المتطرفة التى أُعيد إنتاجها بدول الإضطراب وفى مقدمتها سوريا واليمن. وعليه، تطابقت السياسة الخارجية مع أولويات الأمن القومي. إذ أن القرارات التي تُتخذ خارج الحدود تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الداخل بكافة مجالاته، سواء عبر ترتيبات ديموغرافية، أو تهديدات أمنية، أو أعباء اقتصادية.  

وعليه، تأتى "المقاربة المصرية" لتؤسس لنموذج سياسي يُبنى على محددات إستراتيجية تتسم بالإتزان النوعى، وتحقق مرئياتنا الخارجية الرامية إلى إنجاز إلى ما بات يُعرف بـ "حوكمة الصراع"، إستنادا إلى المحددات التالية: تحقيق التوازن بين حماية المصالح الوطنية والتحلل من الإعتمادية الآحادية والانفتاح بكافة مساراته على تنويع الشراكات متعددة الأطراف، ورفض سياسات الاستقطاب أو التحالفات الصفرية. بالإضافة إلى الالتزام باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية ، وتسوية النزاعات دبلوماسيا عبر التمسك بالقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة كمرجعية حاكمة، مع إبداء المرونة فى التعامل مع التحديات البازغة كالإرهاب وقضايا البيئة والأمن السيبرانى وأسلحة الدمار الشامل والذكاء الاصطناعي.  

الجدير بالذكر، أن القاهرة تعى تماما أن الشرق الأوسط والإقليم العربى ككل أصبح بمثابة دوائر متصلة من الصراعات - ذات النهايات المفتوحة- على أختلاف أنواعها وجبهاتها فلم يعد هناك الصراع التقليدي المعلوم نقطة البداية وكيفية الوصول إلى النهاية. كما أن معايير الأمن هنا مُدلجة وفقا طبيعة وهوية النظم القائمة، وووكلاءها، وداعميها اقليما ودوليا.  وعليه، نجد أن النجاح النوعى بالتحركات المصرية بمختلف الملفات المأزومة بالمنطقة يتمثل فى: "إختراق حالة الجمود وإعادة حوكمة محددات الصراع". بمعنى الإنتقال بحالة الصراع القائم على إختلاف جبهاته إلى مرحلة جديدة منخفضة التكلفة. بالمقابل، ثمة يقين أن هناك أطراف سواء من داخل الإقليم أو خارجة تسعى لضمان استدامه الصراع لعدد من الأسباب وفقا لأجنداتهم الخاصة، عبر إذكاء عدد من السيناريوهات أبرزهم: الدفع بالاقتتال بمختلف أنماطة سواء "المدني- العسكري"؛ أو "العسكري- العسكري"، لتحقيق أهداف الإنهاك والإرباك والاستنزاف. 

 

القاهرة وتوازنات المصالح الإستراتيجية:  

تُعد دبلوماسية "30 يونيو" بمثابة جوهر تموضع "الإقليمية المصرية" بالسياسة الخارجية، خاصة وأن واقع التفاعلات والقضايا الصراعية المعاصرة يُلزمنا بإدارة مختلفة تتطابق مع ركائز سياستنا الخارجية وبما لا يخل بإلتزامتنا نحو إعادة هندسة الاقليم الشرق أوسطى على أسس أمنية راسخة ، وبما يتسق مع التوجه الدبلوماسى نحو "التوازن الإستراتيجي" القائم على إدراكنا للمحددات التالية، أولا: أهمية تأمين المجال الحيوى المصرى من كافة الاتجاهات وذلك بالنظر إلى تقاطع العمق الاستراتيجي المصري أمنيا مع مختلف الدوائر الصراعية العربية والافريقية والمتوسطية. وثانيا: الإدراك الشمولى للقيادة السياسية لتعقيدات التفاعلات الأمنية والسياسية بالمنطقة، وتشابك الملفات الصراعية بمختلف أبعادها مع المصالح الوطنية المصرية. ثالثا: أهمية تنويع وإستقلالية الأدوات السياسية، وهو ما إنعكس على النهج المصرى القائم على مبدأ "التوازن الاستراتيجي والانفتاح المرن" فى إدارة الملف التفاوضى لأزمة قطاع غزة؛ وما أنتجته قمة شرم الشيخ للسلام من خارطة طريق حظيت بتوافقات إقليمية وأممية ورعاية أمريكية. ورابعا: تقييم وإدراك ما يتعلق بحسابات التكلفة والعائد، والاوزان النسبية للإختيارات الخارجية المتاحة، ودرجات التصعيد المقابلة جراء النهج المصرى والعائد من مستويات المرونة والإحتواء. 

تأسيسا على ما سبق .. تموضع "التوازن الإستراتيجي" للـ "الإقليمية المصرية فيما بعد 30 يونيو" إنطلاقا من المحددات التالية، أولا:تحركات القيادة السياسية لترسيم خطوط حمراء مضادة للأجندات الخارجية الرامية لتفكيك الدول الوطنية تحت شعارات التغيير، إذ  أثبت تجارب المنطقة أن تلك الإرهاصات أنتجت صراعات طويلة الأمد دون ملامح استقرار واضحة، فضلا عن إجتزاء أجزاء حيوية من وحدة وسيادة الدول المأزومة بالمنطقة لصالح فواعل دولية أو إقليمية صاعدة. ثانيا: فهم ديناميكيات الإنتقال بالإقليم من دائرة التفاعلات التجارية أو الدبلوماسية أو نشاط وثقل المنظمات الإقليمية وفواعلها، إلى ما بات يُعرف بدائرة "القوة الصدامية والقدرات العسكرية"، نظرا لما يشهده الإقليم من إضطرابات مأزومة وحسابات مُعقدة تُنذر بسيولة الانتقال من أنماط ومستويات التعاون إلى الصراع. ثالثا: إستشراف حالة التنافس بين ملفات العلاقات الثنائية والمتعددة فى ظل تصورات بعض القوى الدولية والإقليمية بشأن ملء الفراغ الاستراتيجي بالمنطقة العربية، مما يضاعف من "تحديات الدور المصري"، ويضع الدبلوماسية المصرية أمام شبكة من التفاعلات التي تزيد من تكلفة المحافظة على مصالحنا الوطنية، والإقليمية العربية ككل. رابعا: تنامى مستويات المخاطر بالنظام الإقليمي العربى، والتى يمكن إرجاعها إلى: غموض توازن القوى الاقليمية، تنامى حدة النزاعات المحلية خاصة بالدول المأوزمة بالمنطقة، تنافس القوى الدولية التقليدية والصاعدة على توريد السلاح للإقليم، بالإضافة إلى أن الاقليم العربى والشرق أوسطى يعانى من شح ملموس فى معايير الحرب وآليات فض النزاع على نحو ما يدحض بفرضية "التعاون"، و يُرسخ لفرضية "حوكمة وإعادة تدوير الصراع".

 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء