حي المطرية الشهير بالقاهرة يبدو أنه يواصل كتابة التاريخ ليكون أحد أحياء القاهرة التاريخية التي سيكون لها مكان ضمن صفحات التاريخ خلال العقود القادمة.
سلطت الأضواء في السنوات الأخيرة على هذا الحي العريق من خلال مأدبة إفطار جماعية رمضانية وصلت أن تكون حديث مصر كلها، الفكرة بدأت بسيطة جدا وأحياء كثيرة تقوم بمثل هذه العادة الطيبة، لكن الأمر في المطرية اختلف عن باقي أحياء القاهرة، ربما ساعد في ذلك اهتمام الصحافة والإعلام بتوثيق هذه الظاهرة، أيضا وكما يحدث في مصر المحروسة دائما كلما انتشرت ظاهرة طيبة سعي كثيرون من محبي الظهور والشهرة فنانين كانوا أو رياضيين لتصدر المشهد والحضور في تلك الفعالية حتي باتت من أشهر فعاليات الشارع المصري الرمضاني في السنوات الأخيرة.
لكن اليوم تعيد المطرية تصدر أحياء القاهرة العامرة في المشهد الانتخابي البرلماني، ويظهر فيما يشبه الحلم مرشح اتفق الجميع على إطلاق لقب مرشح الغلابة عليه، الدكتور محمد زهران رجل مصري بسيط لم يكن أشد المتفائلين يظنون أنه قادر على مواجهة معركة انتخابية شرسة داخل دائرة واسعة صعبة مترامية الأطراف مثل المطرية لديها نواب متمرسون في الحياة البرلمانية، ولديهم من الخبرات والأدوات والأموال ما يجعل لهم الكلمة العليا في إدارة معركة انتخابية وحشد الناس للتصويت لهم في الانتخابات، لقد كان المشهد في البداية يكاد ينبئ بنتائج محسومة من حيث حصول المرشح (زهران) علي المركز الاخير في السباق الانتخابي.
ومع بدء الحملة الانتخابية ويوما بعد يوم تتجه الانظار إلي المطرية ، مرشح يدير حملته الانتخابية من مقر انتخابي عبارة عن مقهي بلدي في حي شعبي ، يتنقل بين الاحياء والشوارع في توكتوك يتحدث في ميكرفون ، يخاطب البسطاء خطابا بسيطا يفهمونه ، يبدأ يوما بعد يوم يكتسب أنصارا من البسطاء والمهمشين ، يجتمع حوله الباعة الجائلين والحرفيين والموظفين والطلبة والعمال وصغار التجار من أصحاب محلات البقالة والخردوات ، يلتف حوله الترزي و الميكانيكي والسباك والسائق وبائعة الطماطم والجرجير وعامل النظافة البسيط ، وتمتد مع الايام وتزحف في ثقة وهدوء سيرة الرجل فيكسب تاييد الطبيب الشاب والمهندس الحديث والمحامي المبتدئ.
ويمر يوما الانتخابات وتعلن بعدها نتيجة المطرية فإذا المفاجأة تنفجر بالفرحة والإعجاب والإبهار، زهران اجتاز المرحلة الأولى وسط فطاحل المرشحين ودخل معركة الإعادة، مفاجأة أذهلت أصحاب المال السياسي، تعجبوا أن يستطيع مواطن بسيط لا يملك إلا قوت يومه من منافسة نفوذهم وأموالهم وأنصارهم والصمود أمامهم حتى وصل إلى مشهد إعادة الانتخابات في مواجهتهم.
نعم أصبح زهران بالفعل مرشح الغلابة كما أسموه أهل المطرية.
بحثت كثيرا عن اللقب الذي يليق بهذا الرجل فاهتديت إلي تسميته ( غاندي المطرية)
نعم إنه رجل صدق نفسه فصدقه الناس ، أمن أنه ليس للإنسان إلا ماسعي ، فسعي الرجل وحاول واجتهد وبلغ مابلغ من كسب حب الجماهير ، رجل قاده حسه الوطني إلي طريق النضال السلمي من خلال القنوات الشرعية لايملك سلاح المال أو النفوذ أو الحاشية أو الانصار أو سماسرة الانتخابات المعروفين لكنه ملك سلاح الصدق والايمان ، أدرك أن سلاحه هو الشارع وأن درعه هم آهل الشارع المصريين الطيبين البسطاء الشقيانين الكادحين وأنه قادر علي تحريك المياه الراكدة ، نزل بشجاعة وايمان أعلن للناس أنه منهم وبهم ولهم فصدقوه وأمنوا به والتفوا حوله.
غاندي المصري أو مرشح الغلابة أو محمد زهران خسر معركة الإعادة بفارق مائتي صوت عن صاحب المركز الثالث وثمانمائة صوت تقريبا عن المرشح الذي فاز بكرسي البرلمان.
غاندي المصري لم يخسر. لا لا لا
الذي خسر بالفعل هو البرلمان فكم كان بحاجة لمثل هذا النائب الشعبي ، الذي خسر حقيقة هي المطرية التي كانت علي موعد جديد مع التاريخ كما حدث من عقود في دوائر شعبية عديدة اذكر منها علي سبيل المثال الأن دائرة الساحل التي اخرجت النائب المرحوم أحمد طه و النائب المرحوم سيد رستم ودائرة العطارين بالإسكندرية التي افرزت النائب كمال أحمد. وقصر النيل التي اهدت لبرلمان مصر النائب المرحوم قبارى عبد الله... وغيرهم عشرات من نواب مصر.
خسر غاندي المصري معركة الإعادة لكنه ربح معركة الاخلاق والمبادئ وكسب حب واحترام الجماهير ،
الاهم من كل هذا أنه أعاد الأمل من جديد أن الحلم مازال ممكنا لو صدق كل مخلص نفسه ولو ملك كل صاحب مبدأ شجاعته ورشح نفسه وشارك في الاستحقاقات القادمة ، الشعب المصري يستطيع أن يفرز جيدا انما كيف نلوم الناس وهم لايجدون في دوائرهم مثل زهران المطرية ؟
هل نتصور كيف سيكون الحال لو أن نصف دوائر مصر الانتخابية ظهر فيها غاندي مثل محمد زهران ؟؟ إجابتي سيشارك الناس في التصويت بكثافة وسيصل لبرلمان مصر العريق نواب حقيقيون يعبرون عن أمال والام واحلام المصريين...
شكرا غاندي المطرية ونداء لكل مشروع غاندي في مصر. العمل الإيجابي هو المشاركة وليس العزوف، الفعل وليس الاكتفاء بالنجيب والتباكي.
اسألوا وتعلموا من غاندي المطرية....