رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كمال اللهيب: الرهان الحقيقي في أدب الأطفال بناء وعي النشء| حوار

الناقد كمال اللهيب
الناقد كمال اللهيب

في عصرنا الحالي تتسارع التحولات الرقمية والثقافية أصبح الطفل أكثر انفتاحًا على الصورة والسرد والمعرفة، يطرح أدب الأطفال سؤالًا جوهريًا: هل هو فن مستقل قائم بذاته، أم مجرد أداة تعليمية وتربوية؟

هذا السؤال كان محور دراسة وبحث الناقد كمال اللهيب، الذي أصدر مؤخرًا كتابه النقدي «الشكل والوظيفة في أدب الأطفال العربي المعاصر: نحو أفق جمالي جديد» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

في هذا الحوار، يسلط اللهيب الضوء على واقع أدب الأطفال العربي، مستعرضًا اختلالاته الجمالية وتحولاته السردية، ومشاركًا رؤيته لمستقبل هذا الفن في ظل التحولات الرقمية، مشددًا على أن القوة الحقيقية لأدب الأطفال تكمن في قدرته على مخاطبة روح الطفولة وبناء وعيها الثقافي عبر النص الجمالي المتقن.

ما الدافع الرئيسي وراء كتابة هذا الكتاب، وهل شعرت بوجود فجوة نقدية في دراسة أدب الأطفال العربي؟

كان دافعي الأساسي هو الانتصار لقيمة "أدب الأطفال", هذا النوع الأدبي العظيم، وولد هذا الدافع منذ سنوات، عندما كنت أقوم بقراءات استكشافية موسعة لحقول مدونة الأدب العربي لاختار موضوع أطروحتي في الدكتوراه. واكتشفت أن أدب الأطفال العربي كان يعامل منذ بدايته الحديثة بوصفه حديقة خلفية لمؤسسة أدب الكبار. فكان أدب الأطفال وكتابه ونقاده منذ عقود يأتون في الدرجة الثانية من المكان والمكانة. وتطور هذا الدافع بعد ذلك في ذهني إلى السؤال التالي: لماذا لا نملك نظرية نقدية عربية في أدب الأطفال؟ 

وعن إجابة الجزء الثاني من السؤال، فبالطبع لطالما كانت هناك فجوة نقدية عميقة, ففي البداية تجاهل النقد ذلك النوع الأدبي الوليد وبعد عقود بدأت الدراسات في الظهور منها ما يركز على الجوانب التربوية والتعليمية. ومنها ما سعى إلى التأصيل للنوع، ومنها دراسات تطبيقية فنية التفتت إلى الجوانب الجمالية، وهي على ندرتها لم تستقصِ كامل أطراف الظاهرة السردية. وعلى الرغم من وجود مشاريع نقدية مخلصة فهي لم تشكل في مجملها تيارًا نقديًا يمكن أن يتوازى مع تيار الكتابة الأدبية وينطلق معه نحو أفق جمالي جديد. ومن هنا كان رهاني هو على العثور على جسر يربط بين الشكل الذي هو حاوية الحمولة الثقافية، والوظيفة التي هي روح الشكل.

ترى أن أدب الأطفال ليس مجرد وسيلة تعليمية، بل ظاهرة جمالية، كيف يمكن تحقيق التوازن بين الجمالية والوظيفة الثقافية أو التربوية؟

الجمع بين الجمالية والوظيفية في أدب الأطفال ليس جمعًا بين متناقضين، بل هو تكامل عضوي. وتحقيق التوازن بينهما يعد من أهم المرتكزات التي إتكأ عليها كتاب "الشكل والوظيفة في أدب الأطفال"؛ فقيمة النص الأدبي للأطفال تستمد في آنٍ من تحقيق القيمة الجمالية، ومناسبة حمولته الثقافية لطبيعة الطفل من ناحية، ولثقافتنا وهويتنا من ناحية أخرى. وما أقصده بالوظيفة في هذا السياق أوسع وأشمل من تقديم معلومة أو نصيحة للطفل. فالوظيفة الثقافية كما قدمتها في الكتاب، هي عملية إبداعية  تعمل على تشكيل وعي الطفل في ضوء الهوية العربية، لبناء صورة ثقافية متوازنة لديه عن الذات والآخر والعالم، في إطار يحفز لديه الخيال والرؤية النقدية التفاعلية. وأعتقد أن هذا التصور يجعل الشكل الجمالي شريكًا أساسيًا في النص وليس مجرد زينة له.

لماذا ظل الجانب التعليمي والتربوي مسيطرًا على الإنتاج العربي للأطفال لسنوات طويلة؟ وهل هذا مرتبط بالمؤسسات أم بثقافة المجتمع؟

تعود تلك السيطرة إلى عدة عوامل ثقافية واجتماعية ومؤسسية صاحبته منذ البداية. منها على سبيل المثال أن أدب الأطفال العربي نشأ في سياق حركة النهضة العربية، والتي كانت الجوانب التعليمية والتربوية أحد أهم مرتكزاتها الرئيسة في بناء المواطن القادر على مواجهة الاستعمار. ويمكننا أن نستشف من أعمال الرواد الأوائل أن مشاريعهم الأدبية انطلقت من تلك الرؤية على اعتبار أن أدب الأطفال كان جزءا من المشروع الوطني الكبير، وبالتالي جاء خاضعا لشروطه.

كما أن النظرة الدونية التي صاحبت ذلك الفن العظيم في بدايته، جعلت مؤسسة النقد الجمالي تحجم عن تناول نصوصه لعدة عقود، مما حال دون جذب الكثير من المبدعين لتجويد هذا الحقل فنياً. وبالتالي استأثرت به المؤسسات التعليمية والتربوية. 

كما أن المشهد الثقافي منذ بدايته ولعدة عقود متتالية افتقر إلى مؤسسات ثقافية مستقلة ترعى الإبداع الفني للأطفال بمعزل عن الأجندة التعليمية. 

واعتقد أننا نملك الآن فرصة كبيرة للعبور بأدبنا العربي للأطفال نحو أفق جمالي جديد يحقق المعادلة اللازمة لبلوغ العالمية، وذلك مع الخبرات الثقافية والفنية المتراكمة عبر عدة عقود في مدونة أدب الأطفال، ووجود كتاب على مستوى الوطن العربي على مستوى عال من الوعي الثقافي والفني الجمالي، ووجود مؤسسات رسمية داعمة.

اخترت منهجية «السرديات الثقافية» في الدراسة، ما الذي تقدمه هذه المنهجية لتحليل أدب الأطفال ولماذا هي أكثر ملاءمة من المناهج التقليدية؟

على المستوى النظري كانت منهجية "السرديات الثقافية" هي الأكثر فاعلية في إتاحة رؤية تكاملية للعمل الأدبي بوصفه نظامًا دلاليًا كليًا ومتكاملًا، لا ينظر إلى الشكل بمعزل عن الوظيفة، أو إلى الجمالي بمعزل عن الثقافي. وعلى المستوى التطبيقي، تتجاوز هذه المنهجية سؤال "ماذا تقول القصة؟" إلى أسئلة أخرى لا تقل أهمية عنه، مثل: "كيف تقول ما تقوله؟" و"لماذا تقوله على هذه الصورة تحديدًا دون غيرها؟" و"ما النسق الثقافي الذي يصدر عنه هذا القول؟".

لماذا هذه المنهجية أكثر ملاءمة من المناهج التقليدية؟

المناهج الجمالية الشكلية تنظر إلى النص بمعزل عن سياقه، والمناهج التربوية الوظيفية تتعامل مع النص كوسيلة لإيصال رسالة أخلاقية أو معرفية. ومنهجية "السرديات الثقافية" تتجاوز هذا الانقسام، كما أشرت في الفصل التمهيدي من الكتاب، فهي منهجية تكاملية تفيد من معطيات علم السرد لتحليل التشكيل الفني، ومن الدراسات الثقافية لتحليل الحمولة الثقافية. فتتحقق الدراسة الجمالية دون التفريط في الجانب الثقافي المرتبط به عضوياً. 

ما أبرز الملاحظات النقدية التي رصدتها في المدونة العربية لأدب الأطفال، وهل ترى أن هناك نصوصًا استطاعت تحقيق التوازن بين الفن والوظيفة الثقافية؟

لعل أبرز الملاحظات على مدار مساره تتمثل في اختلال التوازن لصالح الوظيفة على الشكل، وفي المشهد الراهن على مستوى الوطن العربي توجد حركة أدبية تعمل على رد المسار إلى وجهته الجمالية، ليكون أدب الأطفال أدبًا بالفعل قبل أن يكون وسيلة نفعية. وعلى الحركة النقدية أن تساند هذا الاتجاه وتنتج المقترحات النظرية التي تدعمه.

الكتاب يتناول عناصر التشكيل السردي (الشخصية, الحدث, الزمن, الفضاء, السارد, التناص), أي هذه العناصر تراها الأكثر تأثيرا في إيصال القيمة الجمالية والثقافية للنصوص؟

من حيث المبدأ العام، فإن جميع عناصر التشكيل السردي تترابط عضوياً في النص ولا يمكن فصلها وظيفيًا عن بعضها البعض. وتقصير أيٍّ من تلك العناصر عن أداء وظيفته يهدد جمالية العمل بأكمله. أما إذا كان الحديث عن أهمية عنصر سردي معين في سياق نص معين أو مجموعة معينة من النصوص، فقد يتقدم عنصر سردي إلى صدارة الاشتغال السردي في سياق بعينه، فيبرز دوره عن باقي العناصر؛ فعلى سبيل المثال، في رواية السيرة الذاتية يتقدم عنصر الشخصية إلى الصدارة، وفي قصص المغامرات يتصدر الحدث عناصر السرد الأخرى... إلخ.

ما التحديات التي يواجهها أدب الأطفال العربي اليوم في ظل التحولات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة؟

التحديات التي تواجه أدب الأطفال في ظل التحولات الرقمية تحديات ثقافية وجمالية في جوهرها، قبل أن تكون تحديات مع مستجدات تكنولوجية مادية. وهذا يفرض على المشتغلين في حقل أدب الأطفال, كل حسب موقعه أن يقدم كل منهم إجابته عن السؤال التالي: كيف نستطيع تحويل العصر الرقمي من خطر يهدد أدب الأطفال إلى فرصة يعيد بها النوع الأدبي تجديد دمائه لينطلق نحو أفق جمالي جديد؟ واعتقد أن هذا يتحقق عبر مراجعة معايير النوع الأدبي وإعادة صياغتها في ضوء شروط اللحظة المعاصرة.

إذا طلب منك تقديم توصية واحدة لكُتاب الأطفال المعاصرين، ما هي النصيحة التي تراها الأكثر أهمية للحفاظ على جودة وجمالية النصوص؟

لا أود أن أضع نفسي في موقع الناصح، لأنني لا أدعي أنني أملك حقيقة مطلقة، وإنما لدي بعض المبادئ الجمالية والثقافية التي أؤمن بها وألزم بها نفسي في المقام الأول، وأطرحها للنقاش وأقترحها على غيري لمن شاء أن يأخذ بها. فيمكننا أن نستخلص من تاريخ مدونة أدب الأطفال في العالم أن الأعمال التي قُدِّر لها البقاء، هي تلك الأعمال التي توجهت إلى روح الطفولة، وليس إلى الطفل بوصفه مستهلكًا لسلعة ثقافية كما تنظر إليه المنظومة الرأسمالية المسيطرة على آليات الإنتاج حاليا. وتلك الأعمال التي جعلت القيمة روحًا تسري في جماليات النص، وليست إكليشيهًا مباشرًا أو مجانيًا؛ فالمتعة الجمالية هي البوابة الوحيدة لعبور أية قيمة أخلاقية أو تربوية إلى وعي الطفل ووجدانه.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء