رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهروب من جحيم الفاشر.. الموت جوعًا أو على يد الدعم السريع| صور

إيجبتكِ

في تحقيق لجريدة نيويورك تايمز الأمريكية، تحدثت إلى مواطنين سودانيين هربوا من جحيم مدينة الفاشر التي سقطت في يد ميليشيا الدعم السريع في 26 أكتوبر الماضي، ويروي السودانيين بمرارة رحل الهروب من القتل أو الموت جوعًا.

 

وخلال اجتياحها للمدينة، أطلقت ميليشيا الدعم السريع موجة قتل واسعة، وأفادت منظمات إغاثة بوقوع حالات اغتصاب وعنف جنسي على نطاق واسع. ويُظهر مقطع فيديو مروّع، تحققت صحيفة نيويورك تايمز من صحته، مقاتلًا يعدم أحد الناجين من العنف بينما كان يتوسل من أجل حياته.

وتقدّر وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة أن نحو 100 ألف شخص فرّوا من الفاشر منذ سقوطها، ما يعني أن أكثر من 150 ألف شخص لا يزال مصيرهم مجهولًا.

ولا أحد يعرف الحصيلة الحقيقية للمجزرة، إذ ما تزال المدينة مغلقة أمام العالم الخارجي، رغم بدء وصول بعض المساعدات إلى أجزاء أخرى من دارفور. ومن بين الطرق القليلة لتوثيق الحصار، زيارة مخيمات اللاجئين في شرق تشاد، التي أصبحت موطنًا لنحو 900 ألف نازح سوداني من دارفور ومناطق أخرى من البلاد.

أطفال يلهون في مخيم أورِه كاسوني في تشاد
أطفال يلهون في مخيم أورِه كاسوني في تشاد

“سيسألونك سؤالًا واحدًا فقط: هل أنت مع الحكومة أم مع الدعم السريع؟”

 قبل أيام قليلة من سقوط الفاشر بيد قوات الدعم السريع، أرسلت منهل إسحاق (35 عامًا) ابنها البالغ من العمر 14 عامًا، رامي، للبحث عن طعام. ولم يمضِ وقت طويل حتى أُصيب رامي إصابة بالغة في انفجار، بحسب ما قالت والدته. وأعاده الجيران إلى منزل العائلة.

تتذكر قائلة: “لم يكن يستطيع الكلام أو قول أي شيء. كان بطنه مفتوحًا وعظامه مكسورة”.

ومع تصاعد القتال، استعدت منهل، التي كانت في شهرها الثالث من الحمل آنذاك، للفرار. وكان رامي لا يزال حيًا، لكنها كانت تعلم أنه لن ينجو من جراحه.

تقول إنها قالت له: “تمنيت له المغفرة والعافية، في الدنيا والآخرة ثم غادرت".

الحياة في مخيم 

وبينما كانت تجلس خارج المستشفى المتداعي والمغبر في المخيم، روت منهل إسحاق، والدموع تملأ عينيها، تفاصيل هروبها من الفاشر ورحلتها التي استغرقت شهرًا إلى مخيم أورِه كاسوني في تشاد.

وقالت إن شقيقها قُتل أثناء فرار العائلة، وإنها أُصيبت برصاصة في الظهر أطلقها قناص.وبشكل معجزي، نجا الجنين الذي تحمله، ووصلت إلى المخيم مع أطفالها الآخرين.

 

لكن التأقلم مع الظروف القاسية في المخيم لم يمنحها راحة تُذكر. فأورِه كاسوني من أكثر المخيمات بُعدًا في تشاد، وقد أنشأته الحكومة التشادية عام 2004 عندما فرّ عشرات الآلاف من دارفور هربًا من عمليات قتل جماعي قادتها ميليشيا الجنجويد، التي أصبحت لاحقًا نواة قوات الدعم السريع.

وقد تضاعف حجم المخيم خلال العام الماضي، لكن دعم الحكومة التشادية والمساعدات الدولية لم يواكب الاحتياجات المتزايدة.

سيدة سودانية تتلقى العلاج
سيدة سودانية تتلقى العلاج

رحلة هروب مصطفى

قال مصطفى إنه وأربعة من أصدقائه، جميعهم في أواخر سن المراهقة والعشرينات، أدركوا أنهم لا بد أن يغادروا الفاشر.

وتذكّر أنه شاهد أربعة من أفراد عائلة جاره يُعدمون على يد مقاتلي قوات الدعم السريع أثناء سيطرتهم على المدينة. وطلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول خوفًا على سلامته.

خطط مصطفى وأصدقاؤه للمغادرة تحت جنح الظلام، لكنهم لم يبتعدوا كثيرًا قبل أن تعتقلهم قوات الدعم السريع قرب قرية قرني. وقال إنهم صُفّوا واستُجوبوا.

طلب اثنان من أصدقائه الطعام والماء، لكن خاطفيهم أطلقوا النار عليهما وقتلوهما، بحسب قوله.

وقال: “كنا خائفين. قالوا لنا: اهدأوا، لن نقتلكم”.

ثم رُبط هو وأصدقاؤه إلى شجرة وتركوا هناك ليومين، حتى جاء قرويون محليون وفكوا قيودهم وطلبوا منهم الفرار. نجا ثلاثة ووصلوا إلى المخيم. وبقي مصطفى في أورِه كاسوني، بينما واصل صديقاه الآخران طريقهما إلى ليبيا.

كان حسام الطاهر يقطّب وجهه بينما كان الأطباء في المستشفى الصغير بمخيم أورِه كاسوني ينظفون جرحًا في ساقه. قال إنه كان جالسًا في منزله مع والده وأبناء عمومته في الفاشر أواخر أغسطس، حين سمع فجأة صوت طائرة مسيّرة في السماء.

وقال: “عرفتها لأننا سمعنا هذا الصوت مرات كثيرة من قبل. وبعد لحظات سقطت القنبلة مباشرة على منزلنا”.

قُتل والده وأبناء عمومته على الفور، وأُصيب حسام إصابة بالغة.

أمضى الشهرين التاليين في مستشفى السعودي للولادة، وهو آخر مستشفى كان يعمل في الفاشر. وكافح الأطباء لتقديم الرعاية اللازمة بسبب نقص الأدوية الأساسية.

وبحلول سقوط الفاشر بيد ميليشيا الدعم السريع، كان حسام لا يزال غير قادر على المشي. وتمكنت والدته، التي كانت إلى جانبه في المستشفى، من تأمين عربة يجرها حمار لمساعدتهما على الفرار في 26 أكتوبر.

وبعد يومين، أفادت منظمة الصحة العالمية بمقتل أكثر من 400 مريض في مستشفى السعودي على يد الدعم السريع.

سيدة سودانية تغسل ثيابها
سيدة سودانية تغسل ثيابها

فدية كبيرة لإطلاق سراح حسام

وخلال فرارهما، احتجز مقاتلو الدعم السريع حسام ووالدته. وقال: “طلبوا 20 مليون جنيه سوداني لإطلاق سراحنا”، ودفع أقارب خارج السودان الفدية الباهظة، التي تعادل نحو 5600 دولار.

وقبل الوصول إلى مخيمات دائمة مثل أورِه كاسوني، يمر كثير من اللاجئين السودانيين عبر مدينة تِيني، وهي بلدة حدودية صغيرة في تشاد تبعد نحو 100 ميل إلى الجنوب.

وفي أواخر نوفمبر، تجمع مئات اللاجئين في تِيني. وكان من بينهم شابان: علي إسحاق، الذي كان على كرسي متحرك، وصديقه يحيى رزيق.

قال إسحاق إنه فقد إحدى ساقيه في غارة جوية استهدفت منزل عائلته في الفاشر العام الماضي، مضيفًا أن الهجوم نفسه قتل أفراد عائلته جميعًا.

وعندما بات واضحًا أن المدينة ستسقط، بحث إسحاق ورزيق عن وسيلة للخروج، وقررا المغادرة ليلًا، قبل أيام قليلة من سقوط المدينة.

رجل سوداني يُصلي في المخيم
رجل سوداني يُصلي في المخيم
تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء