في مقالٍ سابق، تناولتُ تعريفات الطبقة المتوسطة في مصر، وقدّمت شرحًا مبسّطًا لها وفقا لثلاث تقسيمات اجتماعية رئيسية وتضمن البعد الاقتصادي الذي يربط الطبقة المتوسطة بمستوى الدخل والثروة ، و البعد الاجتماعي والمهني المرتبط بنوع المهنة، حيث تشغل هذه الطبقة غالبًا مواقع إدارية أو مهنًا مستقلة تمنح أصحابها مكانة اجتماعية مميزة وأخيرا البعد الثقافي المتصل بنمط الحياة، ومستوى التعليم، والقدرة على الحصول على الخدمات الصحية، وأنماط الاستهلاك، والقيم الاجتماعية.
وفي المحصلة، تتكامل هذه الأبعاد لتشكل ما يُعرف بالطبقة المتوسطة، تلك الطبقة التي تُعد صمام أمان المجتمع، وجسر التوازن بين الطبقات العليا والطبقات الأدنى.
وليست من قبيل الرفاهية أن تحافظ هذه الطبقة - الممتدة من أصحاب الحِرف الصغيرة إلى الأطباء والمهندسين، مرورًا بالمعلمين والموظفين والإداريين - على مستوى معيشي لائق، وقدرة حقيقية على تلبية احتياجاتها الأساسية، فمن الطبيعي أن تتوافر لأفرادها الإمكانات المادية التي تمكنهم من امتلاك مسكن مناسب، وسيارة خاصة، وتوفير تعليم جيد لأبنائهم يواكب تطورات العصر، فضلًا عن الاشتراك في أندية اجتماعية تتيح للأبنائهم ممارسة الرياضة، بما يسهم في بناء أجيال قادرة على تحقيق إنجازات رياضية، إلى جانب الحفاظ على صحة جيدة عبر توفير غذاء يضمن التغذية السليمة.
غير أن الواقع يختلف تمامًا عما تذكره الدراسات العلمية أو تطرحه المقالات الصحفية، إذ لا يحظى هذا الملف بالاهتمام الكافي، لا سيما من جانب الحكومة.
فالتوجه العام للحكومة الحالية، وكذلك الحكومات السابقة، لم يُراعِ على النحو المطلوب أوضاع الطبقة المتوسطة، فبعدما كانت قادرة على تلبية احتياجاتها اليومية بصورة طبيعية - من شراء اللحوم البلدية من " جزار العائلة " الذي ارتبطت به لسنوات طويلة، وتناول البروتينات الحيوانية من أسماك ودواجن مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًا - أصبح ذلك اليوم شبه مستحيل، بعدما تجاوز سعر كيلو اللحم البلدي 400 جنيه، وارتفعت أسعار الأسماك والدواجن إلى مستويات تفوق القدرة على توفيرها بانتظام.
أما حلم امتلاك سيارة خاصة، فقد بات بعيد المنال، بعدما تجاوز سعر السيارة المتوسطة المليون جنيه، في الوقت الذي تخطت فيه أسعار الشقق السكنية المتوسطة رقم الملايين، وفي زمنٍ قريب، كانت الأسر المتوسطة تدخر جزءا من دخلها لتأمين مستقبل أبنائها، سواء بشراء شقق سكنية لهم - خصوصًا في المدن الجديدة - أو بتوفير مستلزمات الزواج، أو إتاحة فرص سفر لاستكمال التعليم بالخارج، أو حتى ادخار الذهب كملاذ آمن للمستقبل.
أما اليوم، فالدخل يتأكل في توفير متطلبات الحياة اليومية، بحيث لم يعد الدخل يكفي سوى للطعام والعلاج والمواصلات وبقية تفاصيل اليوم “ دا ان كفى” ، سواء لأصحاب الدخول الثابتة من موظفي القطاعين العام والخاص، أو لأصحاب الدخول المتغيرة مثل الحرفيين وأصحاب الأعمال الحرة.
وتعتمد الطبقة المتوسطة، في الأساس، على الدولة بوصفها الجهة القادرة على توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء وسكن وخدمات، غير أن الواقع يكشف أن القرارات الحكومية لا تنطلق من تقدير حقيقي للقدرات المادية للطبقات الاجتماعية التي تُعد عماد الاستقرار.
على سبيل المثال، في ملف التعليم، نجد أن تكاليف العام الدراسي لكل طالب تجاوزت قدرة الطبقة المتوسطة، سواء في التعليم الأساسي أو الثانوي أو الجامعي.
فعلى سبيل المثال تتنوع أنماط التعليم الأساسي في مصر بين المدارس العربية، والمدارس التجريبية، والمدارس القومية لغات، ويلجأ أبناء الطبقة المتوسطة غالبًا إلى النوعين الأخيرين، لعدم قدرتهم على تحمّل المصروفات الباهظة للتعليم الخاص بأنواعه غير المحدودة.
بأي منطق ترفع إدارات بعض المدارس القومية المصروفات الدراسية إلى ما يقارب خمسة آلاف جنيه في عام واحد وكأن الرسالة الموجهة إلى الطبقة التي لجأت إلى هذا النوع من التعليم هي : تراجعي خطوة إلى الخلف، والعودة إلى التعليم العربي أو التجريبي.
أما في ملف السكن، فإذا نظرنا إلى مشروعات الإسكان الاجتماعي التي أُطلقت في الأساس لتوفير وحدات سكنية لغير القادرين، خاصة من الشباب حديثي التخرج أو الزواج، نجد أن القسط الشهري وصل إلى نحو خمسة آلاف جنيه. فكيف يستطيع شاب حديث التخرج الوفاء بهذا الالتزام؟ وهل فكرت الحكومة، عند تحديد هذا الرقم، فيمن يمكنه تحمله، حتى لو كان يتقاضى الحد الأدنى للأجور؟
هذا الانفصال بين متخذ القرار والواقع المعيشي يشكل السبب الرئيسي في اتساع الفجوة بين الحكومة والمجتمع، وهي فجوة لا تصب في مصلحة أي طرف.