إيريني سعيد: منتدى الشراكة الروسي الإفريقي «آلية مستمرة» لتعزيز التعاون
أكدت الدكتورة إيريني سعيد، المحللة السياسية، أن منتدى الشراكة الروسي الإفريقي الذي تأسس عام 2019، يمثل أحد أهم الأطر المؤسسية لإعادة صياغة العلاقات بين روسيا والقارة الإفريقية، مشيرة إلى أن انعقاد قمتين ناجحتين حتى الآن، الأولى في سوتشي عام 2019 والثانية في سانت بطرسبورج عام 2023، يعكس جدية الطرفين في بناء شراكة طويلة الأمد، موضحة أن الاتجاه الحالي يسير نحو انتظام عقد هذه القمم، مع وجود مؤشرات قوية للتحضير لانعقاد القمة الثالثة خلال عام 2026، بما يؤكد أن المنتدى لم يعد مجرد منصة حوار، بل أصبح آلية مستمرة لإدارة المصالح المشتركة وتعزيز التعاون متعدد الأبعاد بين الجانبين.
من نظريات التحالف إلى مقاربات التكامل
وأضافت سعيد، خلال مداخلة هاتفية على فضائية اكسترا لايف، أن العلاقات الروسية الإفريقية تطورت تاريخيًا من إطار التحالف السياسي والدعم التحرري إلى آفاق أوسع تقوم على نظريات التكامل، فقد لعبت موسكو دورًا بارزًا في دعم حركات التحرر الوطني في إفريقيا، وساهمت في ترسيخ مفاهيم السيادة والاستقلال وحقوق الإنسان خلال مراحل مفصلية من تاريخ القارة، موضحة أن المرحلة الحالية تشهد انتقالًا واضحًا نحو تعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري والاستثماري، إلى جانب التعاون في مجالات التعليم، والبحث العلمي، والثقافة، والقوة الناعمة، بما يعزز من التواصل بين الشعوب، وليس فقط بين الحكومات، ويمنح الشراكة بُعدًا مجتمعيًا مستدامًا.
وأوضحت أن استضافة القاهرة لأعمال منتدى الشراكة الروسي الإفريقي تحمل دلالات استراتيجية مهمة، إذ تعكس مكانة مصر بوصفها البوابة الرئيسية للاستثمار في إفريقيا، وجسر العبور الذي تعتمد عليه القوى الدولية الراغبة في توسيع حضورها داخل القارة، وهذا الدور يرتبط بحقيقة راسخة في السياسة الخارجية المصرية، مفادها أن إفريقيا تمثل إحدى الدوائر الأساسية للحركة الدبلوماسية المصرية، وهو ما يتجلى في الانخراط المصري النشط داخل القضايا الإفريقية، والدفاع عن مصالح القارة في المحافل الدولية.
الصوت الإفريقي في النظام الدولي
وشددت الدكتورة إيريني سعيد، على أن الدول الإفريقية تمثل ما يقرب من ثلث أعضاء المجتمع الدولي، ما يمنحها وزنًا متزايدًا داخل المؤسسات الدولية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، ورغم ذلك، رأت أن الحديث عن نظام دولي متعدد الأقطاب لا يزال سابقًا لأوانه، مؤكدة أن العالم ما زال خاضعًا لثنائية قطبية تقليدية تقودها الولايات المتحدة وروسيا، مضيفة أن موسكو استثمرت تاريخيًا في دعم دول العالم الثالث، وعلى رأسها إفريقيا، ضمن سعيها لتعزيز مكانتها القيادية في النظام الدولي، وهو ما استفادت منه القارة عبر الدعم السياسي والاقتصادي.
وأشارت إلى أن القاهرة لعبت، ولا تزال، دورًا محوريًا في نقل صوت إفريقيا إلى المنظمات الدولية، بالتوازي مع التنسيق المستمر مع روسيا في القضايا الإفريقية، مما يعزز من فرص بناء مواقف مشتركة داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، خاصة مع بروز دول إفريقية فاعلة مثل الجزائر في العضوية غير الدائمة، حيث أن السياسة الخارجية المصرية تعتمد على دبلوماسية التنمية، سواء عبر القنوات التقليدية أو الدبلوماسية الرئاسية، في ظل إدراك عميق بأن المصالح هي المحرك الأساسي للعلاقات الدولية، وأن بناء الشراكات الاقتصادية يمثل ركيزة أساسية لتعزيز النفوذ السياسي.
دوافع روسيا بين المعلن وغير المعلن
ولفتت إلى أن موسكو، رغم ما تعلنه من أهداف تنموية، تسعى في الوقت ذاته إلى تأمين موطئ قدم استراتيجي داخل القارة الإفريقية، خاصة بعد محاولات الغرب عزلها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مؤكدة أن التحركات الدولية الكبرى غالبًا ما تحمل أبعادًا غير معلنة، تُدار خلف الكواليس، إلى جانب الأهداف المعلنة التي تُسوّق دبلوماسيًا، مضيفة أن القارة الإفريقية، بما تمتلكه من موارد طبيعية وقوى عاملة وموقع جيوسياسي فريد، تمثل ساحة مركزية للتنافس الدولي، وهو ما يجعل من التعاون مع دولة بحجم روسيا فرصة مهمة للدول الإفريقية لتحقيق توازن في علاقاتها الخارجية.
وأوضحت أن التواجد الروسي في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو والكونغو يرتبط في جانب كبير منه بدعم الاستقرار الأمني ومواجهة الإرهاب، مع تحقيق مكاسب اقتصادية واستثمارية في المقابل، مما يؤشر إلى مرحلة جديدة من الشراكة الروسية الإفريقية تقوم على تبادل المصالح لا الهيمنة.

