لم يكن الفيديو المتداول لسيدة تعرض أبناءها للتنازل أو “البيع” صادمًا لأنه جديد، بل لأنه قديم جدًا… قديم بقدر ما هو متجذر في وجدان مجتمع أنهكه الفقر، واستُنزفت فيه القيم، وتحوّلت فيه الأمومة من ملاذ آمن إلى معركة بقاء، ولم يكن صادمًا لأنه فعل غير مسبوق، بل لأنه بات ممكنًا.
أربعة أطفال، وجوههم شاحبة، عيونهم معلّقة بصوت أمهم التي تتحدث عنهم كما لو كانت تودّع جزءًا من روحها، لا لأنها لا تحبهم، بل لأنها لم تعد قادرة على حمايتهم، أربعة أطفال، وجوههم غارقة في صمت ثقيل، وامرأة تتحدث عنهم لا ببرود، بل بانكسار. لم تكن تساوم، ولم تكن تبتز أحدًا، بل كانت تُعلن هزيمتها أمام حياة أثقل من قدرتها على الاحتمال.
الغضب الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي كان مفهومًا ومشروعًا، لكنه في كثير من الأحيان كان غضبًا سهلًا، مريحًا، يوجَّه إلى الحلقة الأضعف: الأم، قلة فقط توقفت لتسأل: كيف تصل أم إلى هذه النقطة؟ ، كيف يتحول “التنازل” عن الأبناء من فعل مستحيل إلى خيار مطروح؟، وأي مسار قاسٍ قطعته هذه المرأة قبل أن ترفع هاتفًا وتسجل هذا الفيديو؟
هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة فيلم «الجراج» لنجلاء فتحي، ذلك العمل القاسي الصادق الذي سبق زمنه، حين اضطرت الأم في الفيلم إلى التنازل عن أبنائها بعدما علمت بمرضها، لم تكن خائنة للأمومة، بل ضحية منظومة فشلت في حمايتها، وتوفير حقها في الحياة، فسارعت بالفعل لتضمن لأبنائها حياة أفضل بل وكانت أيضًا تختار لمن تتنازل وبعناية شديدة، الفارق الوحيد أن ما كان دراما سينمائية في التسعينيات، أصبح اليوم مقطع فيديو عاديًا على “فيسبوك”، يُتداول بين إعلان تجاري وخبر عاجل، ثم يُستهلك ويُنسى.
القسوة هنا ليست في فعل الأم وحده، بل في السياق الذي أنتج هذا الفعل، قسوة مجتمع يرى المأساة، فيدينها أخلاقيًا، لكنه لا يملك- أو لا يريد- أن يرى جذورها الاقتصادية والاجتماعية، مجتمع يطالب الأمهات بالصبر الأسطوري، بينما يرفع عن كاهله مسؤولية الدعم، والحماية، والعدالة الاجتماعية، نطالب المرأة بأن تكون أمًا خارقة، لكننا لا نوفّر لها الحد الأدنى من الأمان الإنساني.
الوضع الاقتصادي لم يعد مجرد أرقام في تقارير، بل صار وجوه أطفال، وقرارات مستحيلة، وخيارات كلها خسارة، حين تنتهي عقود الإيجار، ويختفي الأب، وتغيب شبكة الحماية الاجتماعية، لا يبقى للأم سوى الهامش… والهامش قاسٍ، عديم الرحمة، في هذا الهامش، تتحول القيم إلى رفاهية، والأخلاق إلى ترف، والبقاء إلى أولوية عمياء.
الأخطر من الواقعة نفسها، هو الطريقة التي نتعامل بها معها ، بعض التعليقات تعاملت مع الأطفال كـ”فرصة للتبني”، وبعضها حوّل المأساة إلى مادة للتريند، والبعض اكتفى بلعن الأم ثم الانتقال إلى الفيديو التالي ، هذا التفاعل السريع، السطحي، هو أحد أعراض غياب القيم لا أقل خطورة من الفقر نفسه، نحن لا نرى الإنسان، بل نرى الحدث، لا نرى الألم، بل نستهلكه.
ما يحدث ليس انحرافًا فرديًا، بل إنذار جماعي. إنذار بأن المجتمع الذي لا يحمي أضعف أفراده، سيفقد تدريجيًا قدرته على الإدانة الأخلاقية، لأن الأخلاق لا تعيش في فراغ، بل تحتاج إلى عدالة، وإلى حد أدنى من الكرامة الإنسانية.
ربما لم تكن تلك السيدة “تبيع” أبناءها، بل كانت تصرخ.... تصرخ في وجه مجتمع لم يسمعها إلا عندما استخدمت أكثر الأفعال تطرفًا، السؤال الحقيقي ليس: كيف تجرأت أم على هذا الفعل؟ بل: كم أمًا أخرى تقف الآن على الحافة، بصمت، دون كاميرا، ودون أن يراها أحد؟ ، وكم أمًا أخرى ستصل إلى اللحظة نفسها، قبل أن نعيد التفكير في معنى الحماية، وفي قيمة الإنسان، وفي حدود القسوة التي صرنا نتعايش معها؟
حين تصبح الأمومة معركة، والأطفال عبئًا، والرحمة استثناءً… علينا أن نتوقف قليلًا، لا لنحاكم، بل لنعترف: هذه ليست قصة أم فاشلة، بل قصة مجتمع متعب، قاسٍ، يوشك أن يعتاد المأساة.
سياسات الحماية الاجتماعية، حين تغيب أو تضعف، لا تُنتج فقط فقرًا ماديًا، بل تُنتج قرارات قاسية. الدعم النقدي المحدود، وتعقيد الإجراءات، وضعف الوصول إلى خدمات الرعاية، كلها تجعل الفئات الأكثر هشاشة في مواجهة مباشرة مع الخطر، الأم هنا ليست خارج المنظومة، بل ضحية فشلها. فشل في الرصد المبكر، وفشل في الاحتواء، وفشل في تحويل «الحق في الحماية» إلى واقع ملموس.
فماذا لو سارعت الجهات المسئولة بالتفاعل الحقيقي على أرض الواقع حال الإشارة لها في فيديو أو حدث على مواقع التواصل الاجتماعي، كما فعلت وزارة الداخلية وحققت انتشار سريع وتواصل قوي مع الجمهور.