"أراد أحد القضاة أن يوقظ ضمير الحشاش الذى مثل أمامه في المحكمة عدة مرات وسأله: لماذا بالله عليك تدخن الحشيش دائمًا؟ فقال المتهم: حتى أنسى يا حضرة القاضي. فسأله: تنسى ماذا؟ فأجاب: "والله ما أنا فاكر" !!"..(من مقولات "عبد الوهاب المسيري" في شرحه لمفهوم "ما بعد الحداثة" الغربي (Post-modernism)، بنكتة مصرية صميمة في كتابه: "رحلتي الفكرية").
تداول بعض الشباب الظرفاء مقاطع مرئية تعلق على "فيلم الست" عن سيرة "كوكب الشرق" السيدة "أم كلثوم" (1898: 1975م) للمخرج "مروان وحيد حامد" (ولد 1977م)، وفي أحدها، كانت الخلفية الكوميدية بصوت "محمود الليثي" (ولد 1979م) بأغنيته الشعبية "الست لما" التي لا علاقة لها بالفيلم ولا بالست "ثومة"؛ لكن من المفارقات العجيبة أن كلمات الأغنية تصلح في قلبها للتعبير المأساوي عن الجريمة المتكاملة لصناع الفيلم بحق الوطن!!
تقول الكلمات؛ بعد المذهب الأول؛ القائل "الست لما.. لما لما": (سيما يا دنيا سيما، سيما.. كلمة محبة دي قديمة.. لا محبة ولا نية سليمة.. الله يرحم جدي وجدك.. وستي وستك.. الله يرحم أهل زمان.. شوفنا معاهم الخير ألوان.. راحت فين أيام زمان.. وردة وذبلت من البستان.. عايشين في دنيا كده يا ناس.. بياكلوا في بعض زي الديابة.. فيها القوي يا ناس بفلوسه.. بيدوس بيها على الغلابة.. أقول لك إيه وأعيد يا زمان.. الغدر ليه بقى طبع الإنسان؟.. حتى يخونوا العيش والملح.. اللي بينا كأنه ما كان.. سيما، سيما، سيما).. وعجبا.
وأصل كلمة "الست" (أو "السيدة" بالعامية) يعود إلى أصل في "المصرية القديمة" هي "إيزيس" (Aset): معبودة الخصوبة والأمومة ورمزا لجميع النساء، وتنطق "أسيت" بمعنى "سيدة العرش"، وصارت الكلمة دالة على شدة التوقير، وتُستخدم كلقب احترام، مثل "ست الحسن" أو "ست الدار" أو "الست هانم".. إلخ، لكن في الوجدان الشعبي المصري المعاصر تشير إلى الشخصية المصرية الأسطورة "أم كلثوم" غالبا!!
والتساؤل المطروح هنا هل عبر الفيلم عن مفهوم "الست" المصري الأصيل المتوارث فخرا، أم عن الصورة العبثية (الما بعد حداثية) التي يتداخل فيها "الذاتي" و"الموضوعي"، بما يشبه (كل شيء وعكسه)؛ كسمة أساسية لسياق "ما بعد الحداثة" العالمي، فربما كانت هذه هي الصورة الذهنية المرجوة من لقب "الست" الجديد كما ورد بالفيلم؟!
فأما عن (ما بعد الحداثة)، فهي تيار نقدي منقلب على الحداثة نفسها (التقدم الغربي القديم)، ودخل إلى معجم الفلسفة في (1979م) مع الفرنسي "جان فرنسوا ليوتار" (1924: 1998م)، وهي عند "ستيوارت هال" (1932: 2014م): "الطريقة التي يحلم بها العالم أن يكون أمريكيًا"، وعند "فريدة النقاش" (ولدت 1940م): "هي تجزئة الفرد وتناثره ذراته، وعجزه عن السيطرة على مصيره"، وعند "المسيري" (1938: 2008م): "هي أيديولوجية النظام العالمي الجديد".
وأما عن السينما عند فلاسفة (ما بعد الحداثة)؛ فهي فن يفكك السرد التقليدي، ويُقلب الصور النمطية، ويطمس الحدود بين "الفن الرفيع" و"الفن الشعبي"، ويستخدم التناص والمحاكاة الساخرة، مع التركيز على تفكيك الزمن وهويات الأفراد، ويتسم بالألغاز والغموض والتحدي للتقاليد. ومن السمات الرئيسة لها: كسر التسلسل الزمني للقصة، ومحاكاة الواقع أو تقليده بأسلوب هزلي، يسعى لطمس الحدود الثقافية، بدمج عناصر من الثقافة الشعبية مع الفن العالي، وكسر الفجوة بينهما، وتفكيك الهوية باستكشاف الهويات الهجينة، والشك في مفاهيم الثبات، وتحدي الصور النمطية للجنس، والعرق، والطبقة، وكذا غموض الحقيقة؛ وقد لاحظ الأمريكي "فردريك جيمسون" (1934: 1924م) أن السينما المعاصرة تبدو تعبيرا عن شكل جديد من "اللاعمق"، بجعل التناقض مرئيًّا، كما تحوي نظم دالة تحمل قيم الرأسمالية (هيمنة المنتجات الأمريكية).
أما عن "فيلم الست"، فربما قد جازف اليقين عندي – على الأقل - بأن الفيلم غازل كثيرًا من كارهي الخمسينيات والستينيات، من الخارج البعيد (الأمريكان والإنجليز والصهاينة)، ومن الداخل البعيد (الإسلامويون والرأسمالية الاستهلاكية) ومن الداخل القريب (بعض رجال الأعمال)؛ بما يشي عندي بالعداء المشاريعي من كل راغب في الطمس الناعم لقيم مصرية أصيلة، رافقت جيل "الست ثومة" في رمزيتها الدالة على كل ما هو قومي، وهوياتي بتلك الفترة الخيرة النيرة في تاريخ الوطن؛ مستخدما منهجا فوضويا (ما بعد حداثيا)، يوافق السياق العالمي لذلك أو يقاربه.. ربما !!
وقد رافق حملة الترويج للفيلم الاستخدام المكثف لوسائل الترويج العكسية بنظرية "الدب الأبيض"، وهي ظاهرة نفسية تقول إن محاولة مقاومة فكرة معينة تجعلها تتصدر أوليات الذهن دوما، حيث إن مقاومة التفكير في "دب أبيض" تؤدي إلى التفكير فيه بكثرة !! وهذا ما حدث في السابق مع مسرحية "مدرسة المشاغبين"؛ إذ نسى الناس قيم المسرحية الإيجابية، وتم تطبيع قيمها السلبية داخل اللا وعي الجمعي!!
حيث انطلقت المنصات تندد بشخصية الممثلة – الكيوت – "منى زكي" (ولدت 1976م)، وتنتقد دورها في الفيلم، قبل صدوره الرسمي. وفي عالم التسويق الرقمي، يشار إلى الدعاية السلبية بأنها استراتيجية غير تقليدية تؤدي إلى جذب الانتباه وزيادة الوعي بالعلامة التجارية، حتى لو كان ذلك من خلال موقف جدلي أو انتقاد علني، وتنتشر عادة عبر وسائل التواصل، وكثيرا ما تؤدي إلى تفاعل كثيف، وزيادة في الظهور، وأحيانًا تحسين ترتيب العلامة على محركات البحث باستخدام استراتيجية: "أي دعاية.. خير من لا دعاية!!".
و"منى زكي" معتادة على مثل تلك الانتقادات، حتى صارت علما على ذاك التسويق السلبي التكتيكي؛ تتويجا لها بمنصات المحركات (أو الترندات) بإثارة قضايا لترويج أحد "قيم العولمة" (أو قيم السوق الأمريكية)، والتي تروح لثقافة (الإنسان العالمي) أو (المواطن الكوني) التي قال بها الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" (1724: 1804م)، فيما يراها الكثير بأنها ضياع للهويات القومية، مثل قضية (جيل زد) الساطعة في الأفق حاليا، والتي تحول كل فرد منها إلى "مواطن كوني" (ما بعد حداثي)!!
ومما أثير حول "منى زكي" في ذلك؛ مثالا:
1) ما أثير حولها عن دورها بفيلم "أصحاب ولا أعز"، وهو أول إنتاج عربي لمنصة "نتفليكس" الأمريكية، والذي أثار جدلا واسعا حول قضايا اجتماعية ذات سياقات عالمية (ما بعد حداثية)، مثل: "المثلية"" والأخلاق التكنولوجيا العالمية الجديدة، والطرح الحواري الجريء غير الخالي من محتويات (+ 18).
2) الضجة عن دورها بفيلم "احكي يا شهرزاد" الذي يثير قضية من قضايا "النسوية" الجريئة، وهي تمثل أهم قضايا سياقات "ما بعد الحداثة".
3) مشاركتها في بطولة الموسم الأول من البرنامج الدرامي (الما بعد حداثي): "ساترداي نايت لايف بالعربي" أو (SNL بالعربي) اختصارًا، وهو البرنامج صاحب التلميحات – وأحيانا التصريحات - في ضرب التابوهات الأخلاقية، وكلها تحمل شعارات (+ 18)، والبرنامج تلفزيوني كوميدي عربي ساخر، وهو النسخة العربية من البرنامج الأمريكي الشهير، وقد تم إيقاف هذا البرنامج من المجلس الأعلى للإعلام في (2018م) لمخالفته المعايير الأخلاقية العامة.
4) الضجة حول جدل إصرارها ولادة ابنتها "لي لي" وكذا "ابنها "سليم" في الأراضي الأمريكية؛ حصولا على الجنسية الذهبية لطالبي التغرب؛ سعيا للحصول على "المواطنة العالمية"!!
أما عن فكرة (المواطن الهجين)؛ فإن الفيلسوف البولندي "زيجمونت باومان" (1925: 2017م) يعيد تصوير ظاهرة "المواطن الكوني" أو (الهجين) بوصفها مؤشرًا على التميز، بعد أن كان يُنظر إليها في الماضي القريب جدًّا بوصفها رذيلة، فأصبح "الهجين" وسيطًا ثقافيًّا للتواصل مع متطلبات العولمة، كما "العميل المزدوج" بين الداخل المتلقي والخارج المتحكم في التدفق الاستهلاكي؛ لذا أمست السيولة تقدم "المهجنون" لاحتلال مراتب عليا، حيث تصبح "هجينيته" وسيلة رئيسة للتحرك إلى الأعلى، اجتماعيا وثقافيا، بينما يُنظر إلى التمسك بالقيم وأنماط السلوك الثابتة على أنه مؤشر على الدونية، اجتماعيا وثقافيا!!
وبعد.. وفي ظلال البحث الحثيث عن (الست) كما في تراثنا لا في سياقات "الهجنة" (ما بعد حداثية)؛ ففي درس العربي بالابتدائي كانوا يعلموننا منهجية التفكير المنطقية للتفريق بين "الفعل اللازم" و"الفعل المتعدي"؛ إذ أن "اللازم" يكتفي فيه بالفاعل لتكوين جملة مفيدة (مثل: خابت مُنى)، بينما "المتعدي" يتجاوز الفاعل إلى المفعول به (مثل: خسر مُراد القضية).
وفي إطار حملة التشويه لرمزية (الست) التراثية، وخارج السياق العالمي "ما بعد الحداثي" الساعي لطمس الهويات؛ فالسؤال الحاكم هنا: هل ما يخصنا - إنسانيا - من "الست ثومة"، هو فعلها "المتعدي" (العام والموضوعي) أم فعلها "اللازم" (الخاص والذاتي)؟، بمعنى آخر: ماذا لو قدمنا كشف حساب منطقي عن فوائد "أم كلثوم" (المتعدية) على النفع العام، وهو ما يخص الناس، الذين ينحازون للأنفع دوما؛ فما يضيرنا إن كان ما يخصها في الجزء الشخصي ضار أم نافع لها، وهل من الأخلاق والتحضر، بل والتدين (للمتدينين): أن نفتش وننبش، أو نتجسس ونتحسس، أو نقارب ونقارن، في أمر ظني غير معلن ولا يخصنا، ولن ينبني عليه عمل، هل من الموضوعية تعميم الخاص، أو تخصيص العام؟!
هل ما يهمنا في الأمر: هو الاحتفاء بكل ما هو إيجابي في موهبتها، ووطنيتها، واتقانها لما تعمل، وبذلها الغالي والنفيس لبني قومها في الملمات والمآزق.. أم يهمنا تفاصيل سلوكها الشخصي الذاتي، فيما لا يضيف للقيمة، بل يخصم منها؟.. ولمصلحة من هذا التلويث بالتضخيم – وكثيرا التلفيق والاختلاق – لسلبيات قامة وطنية سامقة، مثل "أم كلثوم"؛ استقر الناس تواطئا على احترامها في سياقات خدمة الوطن والإنسانية؟
ففي "الصحيحين"؛ فهذه امرأة تبدو صورتها في الذهنية العامة أنها من "أصحاب الرايات الحمر"، وقد سقت كلبا؛ فشكر الله لها فدخلت الجنة، والأخرى في "البخاري"، حيث تبدو المتدينة التي كانت تصوم وتقوم الليل، ولكنها تؤذي جيرانها فاستحقت النار؛ لأن الفعل المتعدي أو نفع الناس هو الفيصل دوما – وليس القصد هنا الحكم على مآلات أحد عند الله -؛ فالقيمة للموضوع والفناء للذات حتما.. لا كما تدعو (ما بعد الحداثة) من خلط مستهدف بين كل ما هو ذاتي وموضوعي.. ربما !!