كمال اللهيب: التحديات الرقمية تعيد طرح سؤال الجمال في أدب الأطفال| خاص
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والرقمية ويعاد فيه تشكيل علاقة الطفل بالصورة والسرد والمعرفة، يظل سؤال أدب الأطفال حاضرًا بإلحاح: هل هو فن قائم بذاته أم مجرد أداة وظيفية للتعليم والتوجيه؟ هذا السؤال يشكل جوهر مشروع الباحث والناقد كمال اللهيب، الذي قدم مؤخرًا كتابه النقدي «الشكل والوظيفة في أدب الأطفال العربي المعاصر: نحو أفق جمالي جديد»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
في هذا الحوار يفتح اللهيب لـ إيجبتك نوافذ متعددة على واقع أدب الأطفال العربي، متأملًا اختلالاته الجمالية، ومتتبعًا تحولاته السردية، ومطرحًا رؤيته لمستقبل هذا الفن في ظل التغيرات الرقمية، ومؤكدًا أن الرهان الحقيقي لا يزال معقودًا على جماليات النص وقدرته على مخاطبة روح الطفولة وبناء وعيها الثقافي.
ما أبرز الملاحظات النقدية التي رصدتها في المدونة العربية لأدب الأطفال، وهل ترى أن هناك نصوصًا استطاعت تحقيق التوازن بين الفن والوظيفة الثقافية؟
ترتبط أبرز الملاحظات النقدية في تاريخ المدونة العربية لأدب الأطفال باختلال واضح في التوازن لصالح الوظيفة على حساب الشكل الجمالي، غير أنني أعتقد بوجود حركة تصاعدية تعمل على تصحيح هذا المسار، وردّه إلى وجهته الصحيحة، ليكون أدب الأطفال أدبًا بالمعنى الفني أولًا قبل أن يكون وسيلة نفعية، ويقود هذا الاتجاه حاليًا نخبة من خيرة كتاب الوطن العربي الذين يتعاملون مع الطفل بوصفه شريكًا في حوار جمالي وثقافي، وهو ما يستدعي من الحركة النقدية أن تواكب هذا التحول عبر إنتاج مقترحات نظرية تدعمه وتؤسس له.
يتناول الكتاب عناصر التشكيل السردي مثل الشخصية والحدث والزمن والفضاء والسارد والتناص، فأيها تراها الأكثر تأثيرًا في إيصال القيمة الجمالية والثقافية؟
من حيث المبدأ العام، لا يمكن المفاضلة بين عناصر التشكيل السردي، لأنها مترابطة عضويًا، ويؤدي تقصير أي عنصر منها عن أداء وظيفته إلى تهديد جمالية العمل بأكمله، غير أن السياق السردي قد يمنح أحد العناصر أولوية على غيره؛ فالشخصية تتصدر في روايات السيرة الذاتية، بينما يتقدم الحدث في قصص المغامرات، من دون أن يلغي ذلك أهمية بقية العناصر داخل البناء السردي الكلي.
ما التحديات التي يواجهها أدب الأطفال العربي اليوم في ظل التحولات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة؟
أرى أن هذه التحديات ثقافية وجمالية في الأساس قبل أن تكون تكنولوجية. فالعصر الرقمي أصبح واقعًا لا يمكن تجاوزه، ما يفرض على المشتغلين بأدب الأطفال إعادة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل هذا الواقع من خطر يهدد أدب الأطفال إلى فرصة لمراجعة معاييره الجمالية وتجديد أدواته؟ فالمشاريع الأدبية التي لا تتجه نحو هذا الأفق الجمالي الجديد تحكم على نفسها بالنسيان، وأعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون فاصلة بين مشاريع قادرة على التطور وأخرى ستتوقف عند حدودها.
إذا طُلب منك تقديم توصية واحدة لكتاب الأطفال المعاصرين، ما النصيحة الأهم؟
لا أضع نفسي في موضع الناصح، لكنني ألتزم بمجموعة من المبادئ الجمالية والثقافية التي أؤمن بها. فالأعمال التي قُدّر لها البقاء عبر تاريخ أدب الأطفال هي تلك التي خاطبت روح الطفولة، لا الطفل بوصفه مستهلكًا لسلعة ثقافية، وهي الأعمال التي جعلت القيمة جزءًا أصيلًا من نسيج النص، لا شعارًا مباشرًا، وجعلت الجماليات ركيزة وجودها الأساسية، فالمتعة الجمالية تظل البوابة الوحيدة لعبور أي قيمة أخلاقية أو تربوية إلى وعي الطفل ووجدانه.