كمال اللهيب: أدب الأطفال فن جمالي مستقل وليس حديقة خلفية لأدب الكبار| خاص
في رحاب الأدب والطفولة حيث تتلاقى البراءة مع الفكر والإبداع، أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب أحدث أعمالها النقدية «الشكل والوظيفة في أدب الأطفال العربي المعاصر: نحو أفق جمالي جديد» لدكتور كمال اللهيب، هذا الإصدار ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو رحلة فكرية عميقة تستكشف جماليات النصوص الموجهة للأطفال، وتعيد النظر في القيم الجمالية والثقافية التي تحملها، بعيدًا عن النظرة التقليدية التي حصرته في أفق تعليمي أو تربوي.
في هذا الحوار نغوص مع الدكتور كمال اللهيب في خبايا رؤيته النقدية، لنكشف كيف يمكن لأدب الأطفال أن يصبح ظاهرة جمالية قائمة بذاتها، تحمل في طياتها الوعي الثقافي، وتبني جسورًا بين التكوين الفني والوظيفة الثقافية، بين الشكل والروح، بين تجربة الطفل الفردية والهوية الجمعية للأمة.
ما الدافع الرئيسي وراء هذا الكتاب، وهل شعرت بوجود فجوة نقدية في دراسة أدب الأطفال العربي؟
كان دافعي الأساسي هو الانتصار لقيمة أدب الأطفال العربي، واكتشاف غياب نظرية نقدية عربية لهذا النوع الأدبي. لاحظت منذ بدايات الدراسات الاستكشافية أن أدب الأطفال كان يُعامل بوصفه "حديقة خلفية" لأدب الكبار، وكان الكتاب والنقاد في هذا المجال يحتلون مكانة ثانية رغم الزخم الكبير في المشهد الحالي من مؤسسات ودور نشر ومسابقات، وتزايد أعداد الكتاب المهتمين بالطفل.
لكن يظل السؤال قائمًا: هل تغيرت النظرة الثقافية القديمة؟ وكم سيظل وفيًا للكتابة للأطفال إذا اختفت الحوافز المادية؟ بالطبع هناك أوفياء حقيقيون يعملون بإخلاص على مشروعات أدبية وفنية حقيقية، بعيدًا عن صخب المشهد والجوائز، هؤلاء هم الزخيرة الحقيقية التي يمكنها أن ترتقي بأدب الأطفال العربي إلى آفاق جمالية جديدة، لأن إيمانهم بالكتابة ينبع من كونها فنًا وإبداعًا يطلب في ذاته، وليس وسيلة نفعية للتعليم أو للحصول على الجوائز، وهم يمثلون القوة الحقيقية التي تضمن استمرار تطوير هذا النوع الأدبي.
بالنسبة للجزء الثاني من السؤال؛ لطالما كانت هناك فجوة نقدية في دراسة أدب الأطفال، إذ ركزت المدونة النقدية في البداية على الشق التربوي والتعليمي على حساب الجوانب الجمالية، بينما كانت الدراسات التطبيقية الجمالية نادرة وغالبًا شكلانية، لا تأخذ في الاعتبار كامل أطراف الظاهرة السردية، بعض المشاريع النقدية تجاوزت هذه المآزق، لكنها قليلة ولا تشكل تيارًا نقديًا متوازيًا مع الكتابة الأدبية، ومن هنا كان هدفي إيجاد جسر يربط بين الشكل بوصفه حاوية للمعنى، والوظيفة بوصفها روح الشكل.
كيف يمكن تحقيق التوازن بين الجمالية والوظيفة الثقافية أو التربوية؟
عندما نتحدث عن "أدب الأطفال"، فإن هناك متغيرين أساسيين يجب تحقيقهما ليصنف النص ضمن هذا النوع الأدبي. المتغير الأول هو "أدب"، ويعني أن النص يجب أن يحقق شروط الأدبية نفسها، وهي شروط جمالية في جوهرها، تتعلق بطريقة البناء والسرد واللغة والصورة الفنية، المتغير الثاني هو "الأطفال"، وهم المتلقون للنص، ويعني ذلك أن يتحقق في النص شروط التلقي الملائمة لطبيعة الطفل وخصائصه الفكرية والعاطفية والمعرفية، فإذا لم تتحقق هذه الشروط في أي منهما، فلا يمكن تصنيف النص تحت أدب الأطفال، إذ يفقد مسوغات الانتماء إلى هذا النوع الأدبي.
تحقيق التوازن بين الجمالية والوظيفية في أدب الأطفال لا يعني الجمع بين متناقضين، بل هو تكامل عضوي بين شكل النص ووظيفته، ومن أهم مرتكزات منهجية كتاب "الشكل والوظيفة في أدب الأطفال" أن قيمة النص تستمد في الوقت نفسه من تحقيق الجمالية، ومن مناسبة حمولة النص الثقافية للطفل، ومن ملاءمتها لهويتنا وثقافتنا العربية.
ويجب أن نفهم أن الوظيفة المقصودة أوسع من مجرد تقديم معلومة أو قيمة أخلاقية، فهي عملية إبداعية تهدف إلى تشكيل وعي الطفل، وبناء صورة ثقافية متوازنة لديه عن الذات والآخر والعالم، مع تحفيز خياله ونمو تفكيره النقدي والتفاعلي، وفي هذا السياق يصبح الشكل الجمالي شريكًا أساسيًا في تحقيق الوظيفة، وليس مجرد زينة للنص.
لماذا ظل الجانب التعليمي والتربوي مسيطرًا على الإنتاج العربي للأطفال لسنوات طويلة؟ وهل هذا مرتبط بالمؤسسات أم بثقافة المجتمع؟
يمكن عزو السيطرة على أدب الأطفال العربي منذ نشأته إلى عوامل ثقافية واجتماعية ومؤسسية. فقد جاءت بداياته الحديثة في سياق حركة النهضة العربية، التي ركزت على الجوانب التعليمية والتربوية لبناء مواطن قادر على مواجهة الاستعمار، ومن خلال دراسة مشاريع الرواد الأوائل مثل شوقي والكيلاني والهراوي، يمكن استنتاج أن أعمالهم انطلقت من هذا المشروع الوطني الكبير، وبالتالي كان أدب الأطفال خاضعًا لشروطه.
كما أن النظرة الدونية لهذا الفن في بداياته أدت إلى عزوف مؤسسات النقد الجمالي والفني عن دراسة نصوصه لعقود، مما حد من استقطاب المبدعين الجادين لتجويد الحقل فنياً، واستأثرت به المؤسسات التعليمية والتربوية، وكان المشهد الثقافي يفتقر لمؤسسات مستقلة ترعى الإبداع الفني للأطفال بمعزل عن الأجندة التعليمية، ما جعل سيطرة المؤسسات التعليمية نتيجة طبيعية لشروط المرحلة التاريخية والاجتماعية والسياسية.
اليوم، ومع تراكم الخبرات الثقافية والفنية عبر عدة عقود، ووجود كتاب واعين ثقافيًا وفنيًا على مستوى الوطن العربي، ووجود مؤسسات رسمية داعمة، تتاح فرصة كبيرة للارتقاء بأدب الأطفال العربي نحو أفق جمالي جديد يحقق المعادلة الصعبة ويصل به إلى المشهد العالمي.
اخترت منهجية«السرديات الثقافية»في الدراسة، ما الذي تقدمه هذه المنهجية لتحليل أدب الأطفال، ولماذا هي أكثر ملاءمة من المناهج التقليدية؟
اخترت هذه المنهجية إيمانًا بأن أدب الأطفال فن قائم بذاته، وأن تحليله يحتاج إلى كشف تشابك خيوطه الجمالية والثقافية في نسيج واحد متماسك، ومن حيث الرؤية النظرية، كانت منهجية السرديات الثقافية الأكثر فاعلية، إذ تمنح نظرة تكاملية للعمل الأدبي كنظام دلالي كامل، لا يفصل الشكل عن الوظيفة أو الجمالي عن الثقافي، وعلى مستوى التحليل التطبيقي، تتجاوز هذه المنهجية سؤال ماذا تقول القصة؟ لتطرح أسئلة أخرى مهمة مثل: كيف تقول ما تقوله؟ ولماذا بهذه الصورة دون غيرها؟ وما النسق الثقافي الذي يصدر عنه هذا القول؟
لماذا هذه المنهجية أكثر ملاءمة من المناهج التقليدية؟
المناهج التقليدية غالبًا ما تكون إما جمالية شكلانية تنظر إلى النص بمعزل عن سياقه، أو تربوية وظيفية تتعامل مع النص كوسيلة لإيصال رسالة أخلاقية أو معرفية، ومنهجية "السرديات الثقافية" تتجاوز هذا الانقسام، كما أشرت في الفصل التمهيدي من الكتاب، فهي منهجية تكاملية تفيد من معطيات علم السرد لتحليل التشكيل الفني، ومن الدراسات الثقافية لتحليل الحمولة الثقافية والدلالة، فدراسة الشق الجمالي تأتي دون التفريط في الجانب الثقافي المرتبط به عضويًا.