رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استعاد شيخ المترو الذي أصبح بين يوم وليلة نجما على مواقع التواصل الاجتماعي، ثنائية كانت اقتربت من الغياب عن الأذهان لفرط بداهتها، وهي البون الشاسع غير المرئي بين القيم والعادات والتقاليد التي يمكن وصفها إجمالاً بـ"أخلاق القرية"، وبين نمط الحياة السائد في المدينة وإيقاعه الخاص.

حين انفعل الرجل على الفتاة لمجرد أنها تضع قدما فوق أخرى، فهو في الحقيقية كان يمارس دون وعي نوعاً من السلطة الذكورية التي تكاد تسيطر على العقول الشرقية، وتزداد حدتها وقوتها في الأرياف والقرى، باعتبار أن هذه الأماكن مازالت تحتفظ بنسق قيمي وأخلاقي مرتبط بالتراث ونابع عنه.


في حين أن إيقاع المدينة يتجه نحو خط آخر في الحياة، نحو الحداثة والرفاهة وسطوة التكنولوجيا وترسيخ مبادئ وقيم العدل والمساواة بين الرجل والمرأة في كل المجالات تقريبا، ومن ثم لا توجد أفضلية إلا بالقيمة المضافة التي يقدمها هذا أو هذه للمجتمع. 


المشكلة الحقيقية والعويصة التي لم يدركها شيخ المترو (والشيخ هنا صفة عمرية وليست دينية) هو التعامل مع الفضاء العام وكأنه مساحة خاصة، فهو لم ينتبه أنه في مكان عام ليس من حق أحد أن يفرض قيمه وعاداته وتقاليده على الآخر، ولا يجب أن يمارس  العنف الرمزي المرتبط بفرض التقاليد على أي شخص لمجرد أنه يراه أخل بمنظومة قيمه الخاصة، التي ربما لا يعرف عنها الآخر أي شئ، أو ربما يعرف ويتجاهلها ويسعى للتمرد عليها. 


يكاد البون الشاسع بين أخلاق القرية وإيقاع المدينة يختفي أو يتلاشى وفق تمظهرات حضارية انتقلت بين الجانبين، فالقرية مترعة بعناصر الحداثة والرفاهة والتكنولوجيا مثلها مثل المدينة، والمدينة بها أحياء شعبية لديها من القيم والتقاليد والعادات الراسخة ما يمكن اعتباره امتدادا أصيلاً وطبيعياً لأخلاق القرية، يكمن الفارق إذن في التمييز والتفرقة بين العقلية التي تتعامل مع هذه القيم بخصوصية أحيانا وعمومية في أحيان أخر. 


حين نتحدث عن التعامل مع الفضاء العام، يأتي دور القانون ليضع الحدود الفاصلة بين الخاص والعام، فليس من حق أحد أن يخبر آخر لا يعرفه كيف يمشي أو يجلس أو يتحدث، أو يفرض عليه قيمة أو مبدأ يخصه هو ولا يعني شيئا للآخر، وإن كان العرف الاجتماعي عاملاً مؤثراً في هذا الصدد، فهذا العرف أيضا يجب أن يخضع لقواعد من بينها مساحة الود والمعرفة التي تسمح لشخص بأن يبدي ملاحظاته على تصرفات شخص آخر طالما لا تمس مجال الأول من قريب أو بعيد. 


مع تصاعد الحديث وتواتر الجدل حول هذه الواقعة، تكشفت الكثير من ردود الفعل العنيفة والحادة، فالردود النسوية التي انتصرت للفتاة حملت إدانة بل وإهانة وعنف مباشر تجاه عقلية الرجل الذي حاول فرض سيطرته على امرأة في المترو بدفع العرف والتقاليد والعادات. 

على الجانب الآخر ظهرت ردود فعل تسعى لتبرير ما فعله الرجل اتساقا مع منظومة القيم التي تربى عليها موجهين اللوم لمن أساء إليه دون مراعاة سنّه الذي بدا عتياً. 


في النهاية إيقاع المدينة الصاخب يفرض حضوره وسلطته على طريقة التعامل بحرية في المجال العام، طبعا في حدود القيم والأعراف الراسخة، هذا الإيقاع نفسه هو الذي ربما يتجاهل الكثير من التفاصيل حوله، نتيجة الانكماش والعزلة والتلهي في مفردات وتفاصيل الحياة اليومية.
في المقابل تمتاز أخلاق القرية وعاداتها وتقاليدها بجانب من الدفء والود والتواصل المبني على تراتبية هيراركية ممتدة وراسخة عبر الزمن، تسمح بمساحات من فرض السيطرة والتحكم في الآخرين مقابل "العزوة" التي تمنحها العائلة أو الأسرة للفرد المنتمي إليها أو حتى لابن القرية في العموم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء